بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ
بَاب مَا جَاءَ من التَّشْدِيدِ في الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ
582 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ أَبُو الْحَارِثِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ .
قَالَ قُتَيْبَةُ : قَالَ حَمَّادٌ : قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ : إِنَّمَا قَالَ : أَمَا يَخْشَى . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ هُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ، وَيُكْنَى أَبَا الْحَارِثِ .
بَاب مَا جَاءَ من التَّشْدِيدِ في الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ
قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ) الْجُمَحِيِّ مَوْلَاهُمْ ( وَهُوَ أَبُو الْحَارِثِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ) ثَبْتٌ ، رُبَّمَا أَرْسَلَ ، مِنْ رِجَالِ السِّتَّةِ .
قَوْلُهُ : ( أَمَا يَخْشَى ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ ، وَمَا نَافِيَةٌ ( الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ ) أَيْ مِنَ السُّجُودِ أَوِ الرُّكُوعِ ( أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ) اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذَا الْوَعِيدِ فَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ ، فَإِنَّ الْحِمَارَ مَوْصُوفٌ بِالْبَلَادَةِ فَاسْتُعِيرَ هَذَا الْمَعْنَى لِلْجَاهِلِ بِمَا
يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ ، وَيُرَجِّحُ لِهَذَا الْمَجَازِ أَنَّ التَّحْوِيلَ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ ، لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ وَلَا بُدَّ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ فَاعِلِهِ مُتَعَرِّضًا لِذَلِكَ ، وَكَوْنِ فِعْلِهِ مُمْكِنًا لِأَنْ يَقَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَعِيدُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّحْوِيلِ الْمَسْخُ أَوْ تَحْوِيلُ الْهَيْئَةِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَوْ هُمَا مَعًا . وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ؛ فَإِنَّ فِيهِ ذِكْرَ الْخَسْفِ ، وَفِي آخِرِهِ : ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَيُقَوِّي حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ ، فَهَذَا يُبْعِدُ الْمَجَازَ لِانْتفَاءِ الْمُنَاسَبَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ بَلَادَةِ الْحِمَارِ ، ومِمَّا يُبْعِدُهُ أَيْضًا إِيرَادُ الْوَعِيدِ بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَبِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى تَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ ، وَلَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِالْحِمَارِ لِأَجْلِ الْبَلَادَةِ لَقَالَ مَثَلًا : فَرَأْسُهُ رَأْسُ حِمَارٍ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ الْبَلَادَةُ حَاصِلَةٌ فِي فَاعِلِ ذَلِكَ عِنْدَ فِعْلِهِ الْمَذْكُورِ ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : يُخْشَى إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ أَنْ تَصِيرَ بَلِيدًا ، مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا نَشَأَ مِنَ الْبَلَادَةِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
قُلْتُ : الْقَوْلُ الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ هُوَ حَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْوِيلِ مَعَ مَا فِيهِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ .
وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ ، أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ بِهَا ، فَقَرَأَ جُمْلَةً ، لَكِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابًا ، وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ ، فَلَمَّا طَالَتْ مُلَازَمَتُهُ لَهُ ، وَرَأَى حِرْصَهُ عَلَى الْحَدِيثِ ، كَشَفَ لَهُ السِّتْرَ ، فَرَأَى وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ ، فَقَالَ لَهُ : احْذَرْ يَا بُنَيَّ أَنْ تَسْبِقَ الْإِمَامَ ، فَإِنِّي لَمَّا مَرَّ بِي الْحَدِيثُ اسْتَبْعَدْتُ وُقُوعَهُ ، فَسَبَقْتُ الْإِمَامَ ، فَصَارَ وَجْهِي كَمَا تَرَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ : إِنَّمَا قَالَ : أَمَا يَخْشَى ) فِي حَاشِيَةِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ : غَرَضُهُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ قَالَ : إِنَّا نُشَاهِدُ مِنَ النَّاسِ الرَّفْعَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَا يُحَوَّلُ رَأْسُهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : إِنَّ قَوْلَهُ : أَمَا يَخْشَى وَرَدَ ألْبَتَّةَ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ ؛ إِمَّا التَّهْدِيدُ أَوْ يَكُونُ فِي الْبَرْزَخِ أَوْ فِي النَّارِ ، انْتَهَى مَا فِي الْحَاشِيَةِ .
قُلْتُ : رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ ، أَوْ : أَلَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، فَوَقَعَ الشَّكُّ لِشُعْبَةَ فِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : أَمَا يَخْشَى أَوْ : أَلَا يَخْشَى ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ عَنْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَكَ بِلَفْظِ : أَمَا يَخْشَى أَوْ أَلَا يَخْشَى ، فَأَجَابَهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا قَالَ - أَيْ : أَبُو هُرَيْرَةَ - : أَمَا يَخْشَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ .