بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : وَثنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سعيد الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( باب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ ) قَوْلُهُ : ( مَنْ لَمْ يَدَعْ ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ ( قَوْلَ الزُّورِ ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ : وَالْجَهْلَ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْمُرَادُ بِقَوْلِ الزُّورِ الْكَذِبُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي : الْمُرَادُ بِهِ الْبَاطِلُ ، وَهُوَ مَا فِيهِ إِثْمٌ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الزُّورُ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ ، أَيْ مَنْ لَمْ يَتْرُكِ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ مِنْ قَوْلِ الْكُفْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ اجْتِنَابُهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ارْتِكَابُهَا ( وَالْعَمَلَ ) بِالنَّصْبِ ( بِهِ ) أَيْ بِالزُّورِ يَعْنِي الْفَوَاحِشَ مِنَ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا فِي الْإِثْمِ كَالزُّورِ .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ( فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ ) أَيِ الْتِفَاتٌ وَمُبَالَاةٌ ، وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ بِهِ نَفْيُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ نَفْيِ الْمُسَبَّبِ ( بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) فَإِنَّهُمَا مُبَاحَانِ فِي الْجُمْلَةِ ، فَإِذَا تَرَكَهُمَا وَارْتَكَبَ أَمْرًا حَرَامًا مِنْ أَصْلِهِ اسْتَحَقَّ الْمَقْتَ وَعَدَمَ قَبُولِ طَاعَتِهِ . قَالَ الْقَاضِي : الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَتَطْوِيعُ الْأَمَّارَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِصَوْمِهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ نَظَرَ عِنَايَةٍ ، فَعَدَمُ الْحَاجَةِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالْقَبُولِ ، وَكَيْفَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ زَمَانِ الصَّوْمِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَارْتَكَبَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؟ انْتَهَى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ يَذْبَحْهَا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْمِ بَائِعِ الْخَمْرِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ شَيْخُنَا -يَعْنِي الْعِرَاقِيَّ - فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ تَرْجَمَ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ الْغِيبَةَ لَيْسَتْ قَوْلَ الزُّورِ وَلَا الْعَمَلَ بِهِ ، لِكِنَّهَا أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهُ بِمَا يَكْرَهُ ، وَقَوْلُ الزُّورِ هُوَ الْكَذِبُ ، وَقَدْ وَافَقَ التِّرْمِذِيُّ بَقِيَّةَ أَصْحَابِ السُّنَنِ فَتُرْجَمُوا بِالْغِيبَةِ وَذَكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ ذِكْرِ قَوْلِ الزُّورِ وَالْعَمَلِ بِهِ الْأَمْرَ بِحِفْظِ النُّطْقِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْعَمَلَ بِهِ فَيَعُودُ عَلَى الزُّورِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا عَلَى الْجَهْلِ أَيْ وَالْعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا .