بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ
بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ
743 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ " ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، وَجَابِرٍ ، وَجُنَادَةَ الْأَزْدِيِّ ، وَجُوَيْرِيَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ أَنْ يَخْتَصَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ لَا يَصُومُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
باب ما جاء في كراهية صوم الجمعة وحده
قَوْلُهُ : ( لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ . قَالَ الْحَافِظُ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ النَّهْيِ عَنْ إِفْرَادِهِ عَلَى أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : لِكَوْنِهِ يَوْمَ عِيدٍ ، وَالْعِيدُ لَا يُصَامُ ، وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ مَعَ الْإِذْنِ بِصِيَامِهِ مَعَ غَيْرِهِ ، وَأَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَغَيْرُهُ : بِأَنَّ شَبَهَهُ بِالْعِيدِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِوَاءَهُ مَعَهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَمَنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ انْتَفَتْ عَنْهُ صُورَةُ التَّحَرِّي .
ثَانِيهَا : لِئَلَّا يَضْعُفَ عَنِ الْعِبَادَةِ ، وَهَذَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ .
ثَالِثُهَا : خَوْفُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ فَيُفْتَتَنُ بِهِ كَمَا افْتَتَنَ الْيَهُودُ بِالسَّبْتِ .
رَابِعُهَا : خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ كَمَا خَشِيَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ قِيَامِهِمْ اللَّيْلَ ذَلكَ .
خَامِسُهَا : مُخَالَفَةُ النَّصَارَى ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ صَوْمُهُ ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُخَالَفَتِهِمْ .
قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعَ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مَا لَفْظُهُ : وَأَقْوَى الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ أَوَّلُهَا ، وَوَرَدَ فِيهِ صَرِيحًا حَدِيثَانِ ، أَحَدُهُمَا : رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ " وَالثَّانِي : رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَلَا يَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ آنِفًا ( وَجَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ( وَجُنَادَةَ الأزدي ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ( وَجُوَيْرِيَّةَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ( وَأَنَسٍ ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ : " مَنْ صَامَ الْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا مِنْ لُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ ، وَكَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ " . وَصَالِحُ ابْنُ جَبَلَةَ ضَعَّفَهُ الْأَزْدِيُّ ، كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ( وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
قَوْلُهُ : ( وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، فَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَصِيَامُهُ حَسَنٌ ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ ، انْتَهَى . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ سِرَاجُ أَحْمَدُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : قَالَ إِمَامُنَا أَبُو حَنِيفَةَ : يُنْدَبُ صَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَوْ مُنْفَرِدًا ، وَتَمَسَّكَ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكرِه مُنْفَرِدًا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : السُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَا رَآهُ مَالِكٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَمَالِكٌ مَعْذُورٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَالْحَقُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .