بَاب مَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَرًا
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قال :نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ يزيد بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا ، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ ، فَدَعَى بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ، فَقُلْتُ لَهُ : سُنَّةٌ ، فقَالَ : سُنَّةٌ ، ثُمَّ رَكِبَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : أَتَيْتُ أَنَسَ بْنُ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، مَدِينِيٌّ ثِقَةٌ ، وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ نَجِيحٍ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَال : لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ جِدَارِ الْمَدِينَةِ أَوْ الْقَرْيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ .
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَرًا قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ ) بْنِ نَجِيحٍ السَّعْدِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو جَعْفَرٌ الْمَدَنِيُّ ، وَالِدُ عَلِيٍّ ، بَصْرِيٌّ أَصْلُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّامِنَةِ ، يُقَالُ : تَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِأَخَرَةٍ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، بَلْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ . ( وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ ) أَيْ وُضِعَ الرَّحْلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِرُكُوبِهِ السَّفَرَ .
وَالرَّاحِلَةُ هِيَ الْبَعِيرُ الْقَوِيُّ عَلَى الْأَسْفَارِ وَالْأَحْمَالِ ، يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ ، وَهَاؤُهُ لِلْمُبَالَغَةِ . ( فَقُلْتُ لَهُ سُنَّةٌ ) أَيْ هَذَا سُنَّةٌ ؟ ( فَقَالَ سُنَّةٌ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ . وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ، قَالَ : اقْتَرِبْ ، قُلْتُ : أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ ؟ قَالَ : أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَكَلَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَالْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَلَا بَأْسَ بِكَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ ، بَلْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ ثِقَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ إلخ ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ -يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ ، وَحَدِيثَ عُبَيْدِ بْنِ جَبْرٍ - يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ السَّفَرَ مِنْهُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : هَذَا صَحِيحٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا أَحْمَدُ ، أَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَمَنَعُوا مِنْهُ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا : إِذَا أَكَلَ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا ، وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ مُتَأَوَّلٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا : يُكَفِّرُ وَنُحِبُّ أَنْ لَا يُكَفِّرَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَلِقَوْلِ أَحْمَدَ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ فَطرَيَانُهُ عَلَى الصَّوْمِ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالْمَرَضِ ، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِخِلَافِ السَّفَرِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَصَحِيحٌ يَقْتَضِي جَوَازَ الْفِطْرِ مَعَ أُهْبَةِ السَّفَرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى التَّوْقِيفِ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ . وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَقَدْ صَرَّحَ هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ بِأَنَّ الْإِفْطَارَ لِلْمُسَافِرِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ مِنَ السُّنَّةِ ، انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ ( وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ .