بَاب مَا جَاءَ فِي التَّلْبِيَةِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَهَلَّ ، فَانْطَلَقَ يُهِلُّ يَقُولُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ . قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ : هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ يَزِيدُ مِنْ عِنْدِهِ فِي إثَرِ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَى إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( أَهَلَّ فَانْطَلَقَ يُهِلُّ يَقُولُ لَبَّيْكَ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ أَيْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ فَانْطَلَقَ يُهِلُّ ، أَيْ فَشَرَعَ يُهِلُّ أَيْ ذَهَبَ حَالَ كَوْنِهِ يُهِلُّ ، وَقَوْلُهُ : يَقُولُ لَبَّيْكَ بَيَانٌ لِيُهِلَّ ، انْتَهَى . وَالْمُرَادُ مِنَ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ ( قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) الْقَائِلُ هُوَ نَافِعٌ ( فِي أَثَرِ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ فِي عَقِبِهَا وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : خَرَجَ فِي إِثْرِهِ وَأَثَرِهِ بَعْدَهُ ( وَسَعْدَيْكَ ) قَالَ الْقَاضِي : إِعْرَابُهَا وَتَثْنِيَتُهَا كَمَا فِي لَبَّيْكَ وَمَعْنَاهُ مُسَاعَدَةٌ لِطَاعَتِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ ( وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك ) أَيِ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ فَضْلِهِ ( وَالرَّغْبَى إِلَيْك ) قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْمَازِرِيُّ : يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَنَظِيرُهُ الْعَلْيَاءُ وَالْعُلْيَا ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ ( وَالْعَمَلُ ) عَطْفٌ عَلَى الرَّغْبَى ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ مِنَّتُهُ إِلَيْكَ ، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ، انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي : وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْعَمَلَ لَكَ أَيْ لِوَجْهِكَ وَرِضَاكَ أَوِ الْعَمَلُ بِكَ أَيْ بِأَمْرِكَ وَتَوْفِيقِكَ أَوِ الْمَعْنَى أَمْرُ الْعَمَلِ رَاجِعٌ إِلَيْكَ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَظْهَرُ عِنْدِي هُوَ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ( وَجَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَعَائِشَةَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ( وَابْنُ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ( وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إلخ ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ ، كَمَا فِي حَدِيثِ مَعْدِيكَرِبَ ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ ، مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ هَذَا ، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ فَقَالَ : إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ ، وَمَا هَكَذَا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : فَهَذَا سَعْدٌ قَدْ كَرِهَ الزِّيَادَةَ فِي التَّلْبِيَةِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ ، انْتَهَى .
قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورَةِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَوْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي خِلَالِ التَّلْبِيَةِ الْمَسْنُونَةِ ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : إِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ . قَالَ صَاحِبُ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ، هَذَا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا ، أَمَّا فِي خِلَالِهَا فَلَا ، انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَيْهَا ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّها عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَبُ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ ، قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الحَامِدٍ : حَكَى أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَغَلِطُوا ، بَلْ لَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً ، انْتَهَى .