بَاب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْكَعْبَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْكَعْبَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ، طَيِّبُ النَّفْسِ ، فَرَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ حَزِينٌ ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ : إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
بَاب مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الْكَعْبَةِ
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، نَزِيلُ مَكَّةَ ، صَدُوقٌ صَنَّفَ الْمُسْنَدَ ، وَكَانَ لَازِمُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : فِيهِ غَفْلَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَخَلْقٍ. وَعَنْهُ م ت ق. وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَاتَ سَنَةَ ( 243 ) ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ .
( وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ ) كِنَايَةٌ عَنِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ لَوْ رَآكَ لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ أَيْ لَسُرَّ بِذَلِكَ وَفَرِحَ وَحَقِيقَتُهُ أَبْرَدَ اللَّهُ دَمْعَةَ عَيْنَيْهِ ؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بَارِدَةٌ ، وَقِيلَ مَعْنَى أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بَلَغَكَ أَمْنِيَّتَكَ حَتَّى تَرْضَى نَفْسُكَ وَتَسْكُنَ عَيْنُكَ فَلَا تَسْتَشْرِفَ إِلَى غَيْرِهِ ، انْتَهَى ( فَقُلْتُ لَهُ ) أَيِ اسْتَفْسَرْتُ وَجْهَ الْحُزْنِ ( وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ إلخ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا ؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي غَيْرِ عَامِ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِيهِ إِنَّمَا كَانَتْ مَعَهُ فِي غَيْرِهِ وَقَدْ جَزَمَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إِلَّا عَامَ الْفَتْحِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَدْخُلِ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهُ فِي حَجَّتِهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ .
وَقَدْ أَجَابَ الْبَعْضُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا . وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دُخُولَ الْكَعْبَةِ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دُخُولَهَا مِنَ الْمَنَاسِكِ ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ دُخُولَهَا مُسْتَحَبٌّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي جَنَّةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الْآتِي .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا .