بَاب مَا جَاءَ فِي تَقْلِيدِ الْهَدْيِ لِلْمُقِيمِ
بَاب مَا جَاءَ فِي تَقْلِيدِ الْهَدْيِ لِلْمُقِيمِ
908 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ يُحْرِمْ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ قَالُوا : إِذَا قَلَّدَ الرَّجُلُ الْهَدْيَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الثِّيَابِ وَالطِّيبِ حَتَّى يُحْرِمَ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا قَلَّدَ الرَّجُلُ الهدي فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْلِيدِ الْهَدْيِ لِلْمُقِيمِ ) ؛ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ ، وَالْهَدْيُ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةَ مِنَ النَّعَمِ لِتُنْحَرَ بِهِ ، وَتَقْلِيدُهَا أَنْ يَجعلُ فِي رِقَابِهَا شَيْءٌ كَالْقِلَادَةِ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرَةِ أَوِ الصُّوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ .
قَوْلُهُ : ( فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، قَلَائِدُ جَمْعُ قِلَادَةٍ ، وَهِيَ مَا تُعَلَّقُ بِالْعُنُقِ . ( ثُمَّ لَمْ يُحْرِمْ ) ؛ أَيْ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا ، ( وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ ) ؛ أَيِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ . قَالَتْ عَمْرَةُ : فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ قَالُوا : إِذَا قَلَّدَ الرَّجُلُ الْهَدْيَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ . . . إلخ ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَنْ بَعَثَ هَدْيَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، انْتَهَى .
( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا قَلَّدَ الرَّجُلُ الْهَدْيَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ ) ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ ؛ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُلَبِّي . وَمِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ بِبَدَنَةٍ : أَنَّهُ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَا وَابْنُ سِيرِينَ وَآخَرُونَ : مَنْ أَرْسَلَ الْهَدْيَ وَأَقَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ وَأَنَسٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ : لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا ، وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ وَقَالَ : " إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْنِيِّ الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ وَتُشْعَرَ عَلَى مَكَانِ كَذَا ، فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسِيتُ ، فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي . . . " الْحَدِيثَ ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَالْمَذْهَبُ الْقَوِيُّ هُوَ أَنَّ بَاعِثَ الْهَدْيِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا لِثُبُوتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .