بَاب مَا جَاءَ بِأَيِّ جَانِبِ الرَّأْسِ يَبْدَأُ فِي الْحَلْقِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا رَمَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَمْرَةَ نَحَرَ نُسُكَهُ ، ثُمَّ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ فَقَالَ : اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ . حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بن عيينة ، عَنْ هِشَامٍ - نَحْوَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
( باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ في الحلق ) قَوْلُهُ : ( نَحَرَ نُسُكَهُ ) جَمْعُ نَسِيكَةٍ بِمَعْنَى ذَبِيحَةٍ ؛ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : نَسَكَ يَنْسُكُ نُسْكًا إِذَا ذَبَحَ ، وَالنَّسِيكَةُ الذَّبِيحَةُ . ( ثُمَّ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبْدَأُ بِجَانِبِهِ الْأَيْسَرِ لِأَنَّهُ عَلَى يَمِينِ الْحَالِقِ .
وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَأْتِي فِي قَصِّ الشَّارِبِ ؛ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . ( فَأَعْطَاهُ ) ؛ أَيِ الشَّعْرَ الْمَحْلُوقَ . ( فَقَالَ : اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ ) : فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّبَرُّكِ بِشَعْرِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَنَحْوِهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . تَنْبِيهٌ : ذَكَرَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ هَاهُنَا قِصَّةَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَجَّامِ الْمَشْهُورَةَ فَقَالَ : إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمَّا ذَهَبَ حَاجًّا فَفَرَغَ عَنْ حَجَّتِهِ وَأَرَادَ الْحَلْقَ فَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ قَالَ الْحَالِقُ : اسْتَقْبِلْهَا . ثُمَّ بَدَأَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْيَسَارِ ، قَالَ الْحَالِقُ : ابْدَأْ بِالْيَمِينِ .
ثُمَّ بَعْدَ الْحَلْقِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَقُومَ وَمَا دَفَنَ الْأَشْعَارَ ، قَالَ الْحَالِقُ : ادْفِنْهَا . فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ مَسَائِلَ مِنَ الْحَالِقِ . ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ الْحِكَايَةُ ثُبُوتُهَا لَا يُعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ .
قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ : وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ أَخْرَجَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَكِيعٍ عَنْهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : وَإِذَا حَلَقَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَأَنْ يُكَبِّرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ ، وَأَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الرَّافِعِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : أَمَّا الْبُدَاءَةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ : خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ فَحَلَقَ الْأَيْسَرَ .
الْحَدِيثَ . وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَمْ أَرَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ صَرِيحًا ، وَقَدِ اسْتَأْنَسَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَلْتَ بِهِ الْقِبْلَةَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَمْ أَرَهُ أَيْضًا ، وَأَمَّا دَفْنُ الشَّعْرِ فَقَدْ سَبَقَ فِي الْجَنَائِزِ ، وَلَعَلَّ الرَّافِعِيَّ أَخَذَهُ مِنْ قِصَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنِ الْحَجَّامِ فَفِيهَا أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفِنَ ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ إِلَى آخِرِ مَا نَقَلْنَا آنِفًا .