بَاب مَا جَاءَ فِي مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ
بَاب مَا جَاءَ فِي مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ، أَوْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ
916 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ! فَقَالَ : اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ . وَسَأَلَهُ آخَرُ فَقَالَ : نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ! قَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ .
وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ .
( باب ما جاء فيمن حلق قبل أن يذبح ، أو نحر قبل أن يرمي )
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ . . . إلخ ) ؛ أَيْ : لَا ضِيقَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ .
اعْلَمْ أَنَّ وَظَائِفَ يَوْمِ النَّحْرِ بِالِاتِّفَاقِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ نَحْرُ الْهَدْيْ أَوْ ذَبْحُهُ ، ثُمَّ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ ، ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَطْلُوبِيَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَعَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا حَرَجَ " ظَاهِرٌ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا ؛ لِأَنَّ اسْمَ الضِّيقِ يَشْمَلُهُمَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ وَفُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ ، ( وَجَابِرٍ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، ( وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، ( وَابْنِ عُمَرَ ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، ( وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . . . إلخ ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ :
أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ : رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ الذَّبْحُ ، ثُمَّ الْحَلْقُ ، ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ . فَقِيلَ : هَذَا التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ يَعْنِي لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ دَمٌ .
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : إِنَّهُ وَاجِبٌ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ " وَلَا حَرَجَ " عَلَى دَفْعِ الْإِثْمِ لِجهلهِ دُونَ الْفِدْيَةِ ، انْتَهَى .
قَالَ الْقَارِي : وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَوْجَبَ الدَّمَ ، فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ لَمَا أَمَرَ بِخِلَافِهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي .
قُلْتُ : احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا . قَالَ : وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رَوَى أَنْ لَا حَرَجَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ نَفْيُ الْإِثْمِ فَقَطْ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ بِذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا ضَعْفٌ ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهَا وَفِيهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيَلْزَمُ مَنْ يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُوجِبَ الدَّمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخُصَّهُ بِالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ .