بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النَّعْيِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ نَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، وَهَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ ؛ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَالنَّعْيُ أَذَانٌ بِالْمَيِّتِ . وَفِي الْبَاب عَنْ حُذَيْفَةَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ، وَالنَّعْيُ أَذَانٌ بِالْمَيِّتِ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، وَأَبُو حَمْزَةَ هُوَ مَيْمُونٌ الْأَعْوَرُ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ النَّعْيَ ، وَالنَّعْيُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ بَأَنَّ فُلَانًا مَاتَ لِيَشْهَدُوا جَنَازَتَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا بَأْسَ بأَنْ يُعْلِمَ الرجل أَهْلَ قَرَابَتِهِ وَإِخْوَانَهُ ، وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْلِمَ الرَّجُلُ قَرَابَتَهُ .
قَوْلُهُ : ( نَا حَكَّامُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَشْدِيدِ الْكَافِ ( ابْنُ سَلْمٍ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ اللَّامِ ، ثِقَةٌ لَهُ غَرَائِبُ مِنَ الثَّامِنَةِ ( عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ) هُوَ مَيْمُونٌ الْأَعْوَرُ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، قَالَ الْحَافِظُ : مَيْمُونٌ أَبُو حَمْزَةَ الْأَعْوَرُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ النَّخَعِيُّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ ) أَيْ : اتَّقُوا النَّعْيَ ، الْمُرَادُ بِالنَّعْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَكُونُ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذَنَ صَدِيقُهُ وَأَصْحَابُهُ ، إِنَّمَا كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ ، فَيُقَالَ : أَنْعِي فُلَانًا فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ . قَوْلُهُ : ( وَالنَّعْيُ أَذَانٌ بِالْمَيِّتِ ) أَيْ : إِعْلَامٌ بِمَوْتِهِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ ) قَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَلَعَلَّ أَشَارَ إِلَى حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ النَّعْيَ ، وَالنَّعْيُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ بِأَنَّ فُلَانًا مَاتَ لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِهِ : أَيْ : يَرْكَبُ رَاكِبٌ وَيُنَادِي فِي النَّاسِ ، فَهَذَا نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ : إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ ؛ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَوْلُهُ : وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْلَمَ إِلَخْ يَعْنِي : إِنْ نَعَى نَعْيَ غَيْرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى ، والَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ مُطْلَقَ الْإِعْلَامِ بِالْمَوْتِ جَائِزٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ الْأَوْلَى ، بَلْ رُبَّمَا يُقَالُ : إِنَّهُ سُنَّةٌ ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَالنَّعْيُ عِنْدَهُمْ إِلَخْ ، أَيْ : حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى مُطْلَقِ النَّعْيِ ، وَهُوَ خَبَرُ الْمَوْتِ كَمَا فِي مُقْتَضَى كَلَامِ حُذَيْفَةَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ؛ حَيْثُ قَالَ : فَإِنِّي أَخَافُ فَقَوْلُهُ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِلَخْ أَيْ : يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى نَعْيِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . انْتَهَى .
أَقُولُ : تَوْجِيهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّهُ يَأْبَى تَفْسِيرَهُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِمَا فَسَّرَهُ بِهِ تَفْسِيرُهُمْ بِقَوْلِهِمْ أَنْ يُنَادَى ( آهْ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ . قُلْتُ : فِيمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي شَرْحِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ شَيْءٌ ، وَكَذَا فِيمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ ، لَكِنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَظْهَرُ مِمَّا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فَتَفَكَّرْ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحْضَ الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ لَا يُكْرَهُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ حَتَّى كَانَ حُذَيْفَةُ إِذَا مَاتَ لَهُ الْمَيِّتُ يَقُولُ : لَا تُؤْذِنُوا بِهِ أَحَدًا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا .. .
إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ ، وَأُخْرِجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَعْلَمُ بَأْسًا أَنْ يُؤْذِنَ الرَّجُلُ صَدِيقَهُ وَحَمِيمَهُ : ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ .