بَاب مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ يُصْنَعُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ يُصْنَعُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ
993 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصْنَعُوا لِأَهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا ؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ أَنْ توجه إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ بشَيْء لِشُغْلِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَجَعْفَرُ بْنُ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ سَارَةَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ .
باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت
قَوْلُهُ : ( لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ ) أَيْ : ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيْ : خَبَرُ مَوْتِهِ بِمُؤْتَةَ ، وَهِيَ مَوْضِعٌ عِنْدَ تَبُوكَ سَنَةَ ثَمَانٍ ( مَا يَشْغَلُهُمْ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ ، وَقِيلَ : بِضَمِّ الْأَوَّلِ ، وَكَسْرِ الثَّالِثِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : شَغَلَهُ كَمَنَعَهُ شَغْلًا وَيُضَمُّ ، وَأَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ، أَوْ قَلِيلَةٌ ، أَوْ رَدِيئَةٌ ، وَالْمَعْنَى : جَاءَهُمْ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْحُزْنِ عَنْ تَهْيِئَةِ الطَّعَامِ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَيَحْصُلُ لهم الضَّرَرُ ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ . انْتَهَى ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : وَالْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْمُشَارَكَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، والسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ يُصْنَعَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ حَالِهِمْ ، فَحُزْنُ مَوْتِ وَلِيِّهِمْ اقْتَضَى أَنْ يُتَكَلَّفَ لَهُمْ عَيْشُهُمْ ، وقَدْ كَانَتْ لِلْعَرَبِ مُشَارَكَاتٌ وَمُوَاصَلَاتٌ فِي البَابِ الْأَطْعِمَةِ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ ، وفِي حَالَاتِ جماعِهَا . انْتَهَى ، قَالَ الْقَارِي : وَالْمُرَادُ طَعَامٌ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ ، وَلَيْلَتَهُمْ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحُزْنَ الشَّاغِلَ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ لَا يَسْتَمِرُّ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ ، ثُمَّ إِذَا صَنَعَ لَهُمْ مَا ذُكِرَ سُنَّ أَنْ يُلِحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِئَلَّا يَضْعُفُوا بِتَرْكِهِ اسْتِحْيَاءً ، أَوْ لِفَرْطِ جَزَعٍ . انْتَهَى . وقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ ، وَلَيْلَتَهُمْ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا ، وَقَالَ : يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ . انْتَهَى " وقَالَ الْقَارِي : وَاصْطِنَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ الطَّعَامَ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ ، بَلْ صَحَّ عَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُنَّا نَعُدُّهُ مِنَ النِّيَاحَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : قَالَ : كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ ، وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ . انْتَهَى ، وإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
فَإِنْ قُلْتَ : حَدِيثُ جَرِيرٍ هَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ . قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ : أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَتِهِ فَأَجَابَ ، وَنَحْنُ مَعَهُ ، فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا . الْحَدِيثَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ، هَكَذَا فِي الْمِشْكَاةِ فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ . فَقَوْلُهُ : فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَتِهِ . . . إِلَخْ ، نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ دَعْوَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ وَأَكَلُوا ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ الْمَجْرُورَ فِي ( امْرَأَتِهِ ) رَاجِعٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ الَّذِي خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَتِهِ ، فَمَا التَّوفِيقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ ؟
قُلْتُ : قَدْ وَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ لَفْظُ : دَاعِي امْرَأَتِهِ بِإِضَافَةِ لَفْظِ امْرَأَةٍ إِلَى الضَّمِيرِ ، وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بَلِ الصَّحِيحُ ( دَاعِي امْرَأَةٍ ) بِغَيْرِ الْإِضَافَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : ( دَاعِي امْرَأَةٍ ) بِغَيْرِ الْإِضَافَةِ ، قَالَ فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ : دَاعِي امْرَأَةٍ ، كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ ، وفِي الْمِشْكَاةِ : دَاعِي امْرَأَتِهِ بِالْإِضَافَةِ . انْتَهَى . ورَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ص 293 ج 5 ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ أَيْضًا : دَاعِي امْرَأَةٍ بِغَيْرِ الْإِضَافَةِ ، بَلْ زَادَ فِيهِ بَعْدَ دَاعِي امْرَأَةٍ لَفْظَ : مِنْ قُرَيْشٍ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ هَذَا لَفْظُ : دَاعِي امْرَأَةٍ بِغَيْرِ إِضَافَةِ امْرَأَةٍ إِلَى الضَّمِيرِ ، ظَهَرَ أَنَّ حَدِيثَ جَرِيرٍ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ هَذَا فَتَفَكَّرْ . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْن مَاجَهْ .
قَوْلُهُ : ( وَجَعْفَرُ بْنُ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ سَارَةَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَخِفَّةِ رَاءٍ ، وَقِيلَ : بِشَدَّتِهِ ، كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي ( وَهُوَ ثِقَةٌ ) وَوَثَّقَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ( رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ) وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ : لَا أَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُهُمَا ، كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ .