بَابُ مَا جَاءَ فِي الزِّيَارَةِ لِلْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالحُبْشِيٍّ ، قَالَ : فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ ، فَدُفِنَ فِيهَا ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَتْ : وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنْ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا ، فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ . بَابُ مَا جَاءَ فِي الزِّيَارَةِ لِلْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ قَوْلُهُ : ( تُوفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ) الصِّدِّيقِ ، وَهُوَ أَخُو عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( بِالْحُبْشِيِّ ) فِي النِّهَايَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ ، وَسُكُونِ الْبَاءِ ، وَكَسْرِ الشِّينِ ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ ، وقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : جَبَلٌ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ ، وقَالَ السُّيُوطِيُّ : مَكَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا ، ( فَحُمِلَ ) أَيْ : نُقِلَ مِنَ الْحُبْشِيِّ ( فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ ) أَيْ : مَكَّةَ ( فَقَالَتْ ) أَيْ : مُنْشِدَةً مُشِيرَةً إِلَى أَنَّ طُولَ الِاجْتِمَاعِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ زَوَالِهِ يَكُونُ كَأَقْصَرِ زَمَنٍ وَأَسْرَعِهِ ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْفَانِي جَمِيعِهِ ( وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ ) قَالَ الشُّمُنِّيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي : هَذَا الْبَيْتُ لِتَمِيمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا الَّذِي قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وجَذِيمَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَكَسْرِ الذَّالِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : جَذِيمَةُ هَذَا كَانَ مَلِكًا بِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْعَرَبَ ، وَهُوَ صَاحِبُ الزَّبَّاءِ . انْتَهَى ، وَفِي الْقَامُوسِ : الزَّبَّاءُ : مَلِكَةُ الْجَزِيرَةِ وَتُعَدُّ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ ، أَيْ : كُنَّا كَنَدِيمَيْ جَذِيمَةَ وَجَلِيسَيْهِ ، وَهُمَا مَالِكٌ ، وَعَقِيلٌ كَانَا نَدِيمَيْهِ وَجَلِيسَيْهِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ( حِقْبَةً ) بِالْكَسْرِ أَيْ : مُدَّةً طَوِيلَةً ( حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا ) أَيْ : إِلَى أَنْ قَالَ : النَّاسُ لَنْ يَتَفَرَّقَا ( فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا ) أَيْ : بِالْمَوْتِ ( كَأَنِّي وَمَالِكًا ) هُوَ أَخُو الشَّاعِرِ الْمَيِّتِ ( لِطُولِ اجْتِمَاعٍ ) قِيلَ : اللَّامُ بِمَعْنَى مَعَ ، أَوْ بَعْدَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، أَيْ : بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ( لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا ) أَيْ : مُجْتَمَعِينَ ( ثُمَّ قَالَتْ ) أَيْ : عَائِشَةُ ( لَوْ حَضَرْتُكَ ) أَيْ : وَقْتَ الدَّفْنِ ( مَا دُفِنْتَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( إِلَّا حَيْثُ مُتَّ ) أَيْ : مَنَعْتُكَ أَنْ تُنْقَلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ ، بَلْ دُفِنْتَ حَيْثُ مُتَّ ، ( وَلَوْ شَهِدْتُكَ ) أَيْ : حَضَرْتُ وَفَاتَكَ ( مَا زُرْتُكَ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ .
انْتَهَى ، وَيُرَّدُ عَلَيْهِ : أَنَّ عَائِشَةَ كَيْفَ زَارَتْ مَعَ النَّهْيِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَشْهَدْ وَقْتَ مَوْتِهِ وَدَفْنِهِ ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى تَكْثِيرِ الزِّيَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ ، وَلِذَا قَالَتْ : لَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يُنْبِئُ عَنِ الْإِكْثَارِ ، كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي ، وقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلَمْ يَحْكُمِ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ مُدَلِّسٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِالْعَنْعَنَةِ .