بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّبَتُّلِ
بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّبَتُّلِ
1082 حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، قَالُوا : نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّبَتُّلِ
هُوَ فِي الْأَصْلِ الِانْقِطَاعُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الِانْقِطَاعُ مِنَ النِّسَاءِ وَتَرْكُ التَّزَوُّجِ .
قَوْلُهُ : ( رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ) أَيْ : لَمْ يَأْذَنْ لَهُ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ ، بَلْ نَهَاهُ عَنْهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ وَوَجَدَ مُؤَنَهُ .
( وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا ) أَيْ : لَجَعَلَ كُلٌّ مِنَّا نَفْسَهُ خَصِيًّا كَيْلَا يَحْتَاجَ إِلَى النِّسَاءِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ : وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَتَبَتَّلْنَا ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَى قَوْلِهِ : لَاخْتَصَيْنَا ؛ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ . أَيْ : لَبَالَغْنَا فِي التَّبَتُّلِ حَتَّى يُفْضِيَ بِنَا الِاخْتِصَاءُ ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الِاخْتِصَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ ، وقِيلَ : بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصَاءِ ، ويُؤَيِّدُهُ تَوَارُدُ اسْتِئْذَانِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَحَابَةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ جَوَازَ الِاخْتِصَاءِ بِاجْتِهَادِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ ظَنُّهُمْ هَذَا مُوَافِقًا ، فَإِنَّ الِاخْتِصَاءَ فِي الْآدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا كَانَ ، أَوْ كَبِيرًا .
قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ . انْتَهَى .
قُلْتُ : يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ خِصَاءِ الْبَهَائِمِ مُطْلَقًا صَغِيرَةً كَانَتْ ، أَوْ كَبِيرَةً ، مَأْكُولَةً كَانَتْ ، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ - مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ - قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ ، وَعَنْ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى ، ويُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِخْصَاءِ الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ .
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ خَصْيِ الْحَيَوَانَاتِ ، وقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ أَيْ : زِيَادَتُهُ - إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخَصْيَ تَنْمُو بِهِ الْحَيَوَانَاتُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ جَالِبًا لِنَفْعٍ يَكُونُ حَلَالًا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ وَإِيلَامِ الْحَيَوَانِ ، هَاهُنَا مَانِعٌ ؛ لِأَنَّهُ إِيلَامٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّارِعُ ، بَلْ نَهَى عَنْهُ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ .
وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ خَصْيَ الدَّوَابِّ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي عِيَاضٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ . انْتَهَى .
وقِيلَ : الْمُرَادُ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَغْيِيرُ دِينِ اللَّهِ ؛ فَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ يَعْنِي : دِينَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ أَمْرًا أَيْ : لَا تُبَدِّلُوا فِطْرَتَ اللَّهِ وَدَعُوا النَّاسَ إِلَى فِطْرَتِهِمْ . انْتَهَى .
قُلْتُ : لَوْ تَأَمَّلْتَ وَتَدَبَّرْتَ فِي الْآيَتَيْنِ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى هُوَ تَغْيِيرُ الصُّورَةِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِتَبْدِيلِ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ تَبْدِيلُ دِينِ اللَّهِ ، ويَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى هُوَ تَغْيِيرُ الصُّورَةِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ... الْحَدِيثَ ، وقَدْ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ بِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ ، قَالُوا : لَوْ كَانَ إِخْصَاءُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ حَرَامًا . لَمَا ضَحَّى بِالْكَبْشِ الْمَوْجُوءِ الْبَتَّةَ ، وفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ ، وقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِسَالَتِي ( إِرْشَادِ الْهَائِمِ إِلَى حُكْمِ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ ) .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .