بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ
1136 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى ، فَقَالَ : كَذَبَتْ الْيَهُودُ ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ " .
وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ .
باب ما جاء في العزل
بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ ، هُوَ النَّزْعُ بَعْدَ الْإِيلَاجِ لِيُنْزِلَ خَارِجَ الْفَرْجِ .
قَوْلُهُ : ( فَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ ) أَيْ : الْعَزْلُ ( الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى ) الْوَأْدُ : دَفْنُ الْبِنْتِ حَيَّةً ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ وَالْعَارِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، والْمَعْنَى : أَنَّ الْيَهُودَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَزْلَ نَوْعٌ مِنَ الْوَأْدِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ النُّطْفَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيَكُونَ مِنْهَا الْوَلَدُ ، وسَعْيًا فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدَادِ بِعَزْلِهَا عَنْ مَحِلِّهَا ( كَذَبَتِ الْيَهُودُ ) أَيْ : فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ) أَيْ : الْعَزْلُ ، أَوْ شَيْءٌ ، وهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ أَجَازَ الْعَزْلَ . قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْزَلَ مِنَ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ ، وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى عَنْ عَزْلِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، ورَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ ، ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، وأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ : قَالَتِ الْيَهُودُ : الْعَزْلُ : الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَذَبَتِ الْيَهُودُ ، إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَصْرِفَهُ . فَإِنْ قُلْتَ : حَدِيثُ الْبَابِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ فَفِيهِ : ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ وهِيَ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾" ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ وَالتَّوفِيقِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ؟ قُلْتُ : قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ حَدِيثِ جُذَامَةَ عَلَى التَّنْزِيهِ ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَيْهَقِيِّ ، ومِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ حَدِيثَ جُذَامَةَ لِمُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ طُرُقًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا دَفْعٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالتَّوَهُّمِ ، والْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ ، ومِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَرُدَّ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ ، وقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ جُذَامَةَ عَلَى وَفْقِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَوَّلًا مِنْ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ علَمَهُ اللَّهُ بِالْحُكْمِ فَكَذَّبَ الْيَهُودُ فِيمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا تَبَعًا لِلْيَهُودِ ، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ ، ومِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ جُذَامَةَ بِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَضَعْفِ مُقَابِلِهِ بِالِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ وَالِاضْطِرَابِ ، وقَالَ الْحَافِظُ : وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْدَحُ فِي حَدِيثٍ لَا فِيمَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ ، وَرَجَّحَ ابْنُ حَزْمٍ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ جُذَامَةَ بِأَنَّ أَحَادِيثَ غَيْرِهَا مُوَافِقَةٌ لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، قَالَ : فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ أَنْ مُنِعَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ ، وتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَنْعِ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ وَأْدًا خَفِيًّا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا ، وجَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَالَ : الَّذِي كَذَّبَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودَ هُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ الْعَزْلَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الْحَمْلُ أَصْلًا ، وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ النَّسْلِ بِالْوَأْدِ . فَأَكْذَبَهُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ إِذَا شَاءَ اللَّهُ خَلْقَهُ ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْ خَلْقَهُ لَمْ يَكُنْ وَأْدَ حَقِيقَةٍ ، وَإِنَّمَا وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيثِ جُذَامَةَ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يَعْزِلُ هَرَبًا مِنَ الْحَمْلِ فَأَجْرَى قَصْدَهُ لِذَلِكَ مَجْرَى الْوَأْدِ ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَأْدَ ظَاهِرٌ بِالْمُبَاشَرَةِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْدُ وَالْفِعْلُ ، وَالْعَزْلُ يَتَعَلَّقُ بِالْقَصْدِ فَقَطْ ، فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَفِيًّا ، وهَذَا الْجَمْعُ قَوِيٌّ ، كَذَا فِي النَّيْلِ .