بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ
1137 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا : نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ، حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ فِي الْعَزْلِ ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : تُسْتَأْمَرُ الْحُرَّةُ فِي الْعَزْلِ وَلَا تُسْتَأْمَرُ الْأَمَةُ .
قَوْلُهُ : ( كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ) فِيهِ جَوَازُ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّقْرِيرِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَرَامًا لَمْ يُقَرَّرَا عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الْفَتْحِ : إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْحُكْمَ إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، قَالَ : لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ ؛ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأَحْكَامِ ، قَالَ : وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ طُرُقٍ تُصَرِّحُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَنْهَنَا . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَزْلِ )
واسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ( وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : تُسْتَأْمَرُ الْحُرَّةُ فِي الْعَزْلِ ، وَلَا تُسْتَأْمَرُ الْأَمَةُ ) يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وفِي إِسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى عَنْ عَزْلِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ ، ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، وقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْعَزْلِ فَحُكِيَ فِي الْفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُعْزَلُ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ إِلَّا مَا لَا يَلْحَقُهُ الْعَزْلُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَافَقَهُ فِي نَقْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ ابْنُ هُبَيْرَةَ قَالَ : وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْجِمَاعِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ الْعَزْلُ عَنْ الْحُرَّةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ ، ويَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِذْنِ مِنَ الْحُرَّةِ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ ، وأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرَّةِ ، واخْتَلَفُوا هَلْ يُعْتَبَرُ الْإِذْنُ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا ؟ وَإِنْ كَانَتْ سُرِّيَّةً فَقَالَ فِي الْفَتْحِ : يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ إِلَّا فِي وَجْهٍ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْمَنْعِ مُطْلَقًا . كَمَذْهَبِ ابْنِ حَزْمٍ .