بَاب مَا جَاءَ فِي كراهية الرُّجُوعِ من الْهِبَةِ
1299 وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ " . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعَانِ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ ، قَالُوا : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ في هبته ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ " .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُهُ ( لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً فَيَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى يُعْطِي ( فِيهَا ) أَيْ : فِي عَطِيَّتِهِ ( إِلَّا الْوَالِدَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، واحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ إِلَّا هِبَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ . قَوْلُهُ ( قَالُوا : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا مَا لَمْ يُثَبْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ : مَا لَمْ يُعَوَّضْ ( مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ هِبَتِهِ ( وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ نَصٌّ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الرُّجُوعِ مَقْصُورٌ عَلَى مَا وَهَبَ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ ، وإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَكَسَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالُوا : لَا رُجُوعَ لِلْوَاهِبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ ، أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ مَحَارِمِهِ ، وَلِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا وَهَبَ لِلْآخَرِ ، ولَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ لِلْأَجَانِبِ ، وجَوَّزَ مَالِكٌ الرُّجُوعَ مُطْلَقًا إِلَّا فِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْآخَرِ ، وأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ( لَا يَحِلُّ ) مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ عَنِ الرُّجُوعِ لَا نَفْيَ الْجَوَازِ عَنْهُ ، كَمَا فِي قَوْلِكَ : لَا يَحِلُّ لِلْوَاجِدِ رَدُّ السَّائِلِ ، وقَوْلُهُ إِلَّا الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ . مَعْنَاهُ : أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ وَيَتَصَرَّفَ فِي نَفَقَتِهِ وَسَائِرِ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ ـ وَقْتَ حَاجَتِهِ ـ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ اسْتِيفَاءً لِحَقِّهِ مِنْ مَالِهِ لَا اسْتِرْجَاعًا لِمَا وَهَبَ وَنَقْضًا لِلْهِبَةِ ، وَهُوَ مَعَ بُعْدِهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِلَا دَلِيلٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي ، قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ : الْمُجْتَهِدُ أَسِيرُ الدَّلِيلِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّأْوِيلِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرْجُو ثَوَابَهَا ، فهِيَ رَدٌّ عَلَى صَاحِبِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا ، ورَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى مَرْفُوعًا ، قِيلَ : وَهُوَ وَهْمٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ حَزْمٍ وَرَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : " الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ
مِنْهَا ، وأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالدّارَقُطْنيُّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ، إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَمْ يَرْجِعْ ، ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : أَحَادِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَمُرَةَ ضَعِيفَةٌ ، ولَيْسَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ ، وأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : " مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى يُثَابَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ فَهُوَ كَالَّذِي يَقِيءُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ " ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ : فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَانَتْ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ حَدِيثِ الْبَابِ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ قَبْلَ الْإِثَابَةِ عَلَيْهَا ، وَمَفْهُومُ حَدِيثِ سَمُرَةَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ . انْتَهَى . ( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحِلُّ إِلَخْ ) وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَا عَرَفْتَ .