باب مَا جَاءَ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ الْمُعْتَرِفِ إِذَا رَجَعَ
بَاب مَا جَاءَ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ الْمُعْتَرِفِ إِذَا رَجَعَ
1428 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ مَاعِزٌ الْأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ زَنَى ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ زَنَى ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ الشق الْآخَرِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى ، فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ وَمَسَّ الْمَوْتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ " . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ هَذَا باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ زَنَى ) هَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى إِذْ لَفْظُهُ : إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ ، والْمُرَادُ أَنَّ مَاعِزًا قَدْ زَنَى ، قَالَهُ الْقَارِي . قُلْتُ : هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا لَا يَخْفَى ( ثُمَّ جَاءَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ ) أَيْ : بَعْدَ غَيْبَتِهِ عَنِ الْمَجْلِسِ ، قَالَهُ الْقَارِي . قُلْتُ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا آخَرَ فَلْيُنْظَرْ ( فَأَمَرَ بِهِ ) أَيْ : بِرَجْمِهِ ( فِي الرَّابِعَةِ ) أَيْ : فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ مِنْ مَجَالِسِ الِاعْتِرَافِ ( فَأُخْرِجَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ : أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ ( إِلَى الْحَرَّةِ ) وَهِيَ بُقْعَةٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ ( فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ ) أَيْ : أَلَمَ إِصَابَتِهَا ( فَرَّ ) أَيْ : هَرَبَ ( يَشْتَدُّ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ : يَسْعَى ، وَهُوَ حَالٌ ( حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ : عَظْمُ ذَقَنِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ ( فَضَرَبَهُ ) أَيْ : الرَّجُلَ ( بِهِ ) أَيْ : بِاللَّحْيِ ( وَضَرَبَهُ النَّاسُ ) أَيْ : آخَرُونَ بِأَشْيَاءَ أُخْر ( وَمَسَّ الْمَوْتَ ) عَطْفٌ عَلَى مَسَّ الْحِجَارَةَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ ذَلِكَ إِذَا جُعِلَ إِشَارَةً إِلَى الْمَذْكُورِ السَّابِقِ مِنْ فِرَارِهِ مِنْ مَسِّ الْحِجَارَةِ كَأَنَّ قَوْلَهُ إِنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ تَكْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ ذَلِكَ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْهَمًا ، وقَدْ فُسِّرَ بِمَا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾وَلَعَلَّهُ كُرِّرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ . انْتَهَى . ( هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ) وفِي رِوَايَةٍ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْقَارِي أَيْ : عَسَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ فِعْلِهِ فَيَرْجِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ : فِيهِ أَنَّ الْمُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا لَوْ قَالَ : مَا زَنَيْتُ ، أَوْ كَذَبْتُ ، أَوْ رَجَعْتُ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ فَلَوْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ سَقَطَ الْبَاقِي ، وقَالَ جَمْعٌ : لَا يَسْقُطُ إِذْ لَوْ سَقَطَ لَصَارَ مَاعِزٌ مَقْتُولًا خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِ الْقَاتِلِينَ . قُلْنَا : إِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ صَرِيحًا ؛ لِأَنَّهُ هَرَبَ ، وَبِالْهَرَبِ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ ، وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ أَيْ : لِيُنْظَرْ فِي أَمْرِهِ أَهْرَبَ مِنْ أَلَمِ الْحِجَارَةِ ، أَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخَذَهُمْ بِقَتْلِهِ حَيْثُ فَرَّ فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ قَوَدٌ إِذَا قُلْتُ لَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخَذَهُمْ بِشُبْهَةٍ عَرَضَتْ تَصْلُحُ أَنْ يُدْفَعَ بِهَا الْحَدُّ ، وَقَدْ عُرِضَتْ لَهُمْ شُبْهَةٌ أَيْضًا ، وَهِيَ إِمْضَاءُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمْ . انْتَهَى ، وفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا إِذَا رَجَعَ فِي خِلَالِ إِقَامَةِ الْحَدِّ ، فَقَالَ : كَذَبْتُ ، أَوْ مَا زَنَيْتُ ، أَوْ رَجَعْتُ سَقَطَ مَا بَقِيَ مِنَ الْحَدِّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ( وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَقِيبَ قَوْلِهِ هَذَا بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ إِلَخْ