باب مَا جَاءَ فِي التَّعْزِيرِ
بَاب مَا جَاءَ فِي التَّعْزِيرِ
1463 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ، ثَنَا اللَّيْثُ بن سعد ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ بُكَيْرٍ ، فَأَخْطَأَ فِيهِ وَقَالَ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّعْزِيرِ ، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ يرُوِيَ فِي التَّعْزِيرِ هَذَا الْحَدِيثُ .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّعْزِيرِ ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : التَّعْزِيرُ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعَزْرِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالرَّدْعِ . قَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ : وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ ، قَالَ تَعَالَى : وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا أَمَرَ بِضَرْبِ الزَّوْجَاتِ تَأْدِيبًا وَتَهْذِيبًا . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِيِّ ، وَقَالَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثَ فِي ثُبُوتِ التَّعْزِيرِ مَا لَفْظُهُ : وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : فَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بِعَشْرٍ فِي الصِّبْيَانِ . فَهَذَا دَلِيلُ شَرْعِيَّةِ التَّعْزِيرِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ الْحَافِظُ : التَّعْزِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَزْرِ وَهُوَ الرَّدُّ وَالْمَنْعُ ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الدَّفْعِ عَنِ الشَّخْصِ كَدَفْعِ أَعْدَائِهِ عَنْهُ ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ إِضْرَارِهِ ، وَمِنْهُ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَكَدَفْعِهِ عَنْ إِتْيَانِ الْقَبِيحِ ، وَمِنْهُ عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَيْ أَدَّبَهُ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى الْقَبِيحِ ، وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( لَا يُجْلَدُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ النَّفْيِ ، وَرُوِيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ مَجْزُومًا ( فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ فَوْقَ عَشْرِ ضَرْبَاتٍ ( إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ) الْمُرَادُ بِهِ مَا وَرَدَ عَنِ الشَّارِعِ مُقَدَّرًا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَنَحْوِهِمَا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْحَدِّ هُنَا عُقُوبَةُ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا لَا الْأَشْيَاءُ الْمَخْصُوصَةُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ . وَعَرَّفَ الشَّرْعُ إِطْلَاقَ الْحَدِّ عَلَى كُلِّ عُقُوبَةٍ لِمَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً ، وَنَسَبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِلَى بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ ، وَإِلَيْهَا ذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ ، وَقَالَ : الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَذْكُورِ فِي التَّأْدِيبِ لِلْمَصَالِحِ كَتَأْدِيبِ الْأَبِ ابْنَهُ الصَّغِيرَ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الشَّارِعَ يُطْلِقُ الْحُدُودَ عَلَى الْعُقُوبَاتِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : إِنَّ أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ . ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ .
قُلْتُ : وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِي بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجُلِدَ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ .
قَالَ : وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ .
قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِلَخْ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ .
قَوْلُهُ : ( وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّعْزِيرِ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ : قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ : تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشْرِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ قَوْلَانِ . وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ يُسْتَنْبَطُ كُلُّ تَعْزِيرٍ مِنْ جِنْسِ حَدِّهِ وَلَا يُجَاوِزُهُ . وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ : لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ وَلَمْ يُفَصِّلْ . وَقَالَ الْبَاقُونَ : هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي ثَوْرٍ . وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى : لَا تَجْلِدْ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ . وَعَنْ عُثْمَانَ ثَلَاثِينَ ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَلَغَ بِالسَّوْطِ مِائَةً ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَعَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَعَطَاءٍ لَا يُعَزَّرُ إِلَّا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ، وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا فَلَا يُعَزَّرُ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعِينَ : وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ : لَا يُزَادُ عَلَى خَمْسٍ وَتِسْعِينَ جَلْدَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ : لَا يَبْلُغُ ثَمَانِينَ .
وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَالْحَقُّ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ ، يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ ، وَلَيْسَ لِمَنْ خَالَفَهُ مُتَمَسِّكٌ يَصْلُحُ لِلْمُعَارَضَةِ . وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ فَنَقَلَ عَنِ الْجُمْهُورِ عَدَمَ الْقَوْلِ بِهِ ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ معقل ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُنْصِفٍ التَّعْوِيلُ عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ عِنْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَمَا آمَنُ فِي دِينِهِ كمُخَاطِرٍ .