باب فِي ذَكَاةِ الْجَنِينِ
بَاب فِي ذَكَاةِ الْجَنِينِ
1476 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ح وثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، ، ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ .
وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبُو الْوَدَّاكِ اسْمُهُ جَبْرُ بْنُ نَوْفٍ .
2430 ( بَابُ فِي ذَكَاةِ الْجَنِينِ ) أَيْ فِي ذَبْحِهِ وَالْجَنِينُ : هُوَ الْوَلَدُ مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : التَّذْكِيَةُ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ ، يُقَالُ ذَكَّيْتُ الشَّاةَ تَذْكِيَةً ، وَالِاسْمُ الذَّكَاةُ وَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ .
2431 قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَأْتِي تَرْجَمَتُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ .
قَوْلُهُ : ( ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) مَرْفُوعَانِ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِأَنَّهَا ذَكَاةُ أُمِّهِ ، فَيَحِلُّ بِهَا كَمَا تَحِلُّ الْأُمُّ بِهَا ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَذْكِيَته .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى وَسَتَعْرِفُ تَخْرِيجَهَا .
قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَصَحَّحَهُ وَضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَقَالَ لَا يُحْتَجُّ بِأَسَانِيدِهِ كُلِّهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي بَعْضِهَا مُجَالِدًا وَلَكِنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ ، وَمُجَالِدٌ لَيْسَ إِلَّا فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْهَا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ لَيْسَ فِيهَا ضَعِيفٌ ، وَالْحَاكِمُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا عَطِيَّةُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَطِيَّةُ فِيهِ لِينٌ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَعَ ابْنِ حِبَّانَ ، ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَذَا فِي النَّيْلِ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ الذَّكَاةِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى . ( وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَيْضًا مَالِكٌ . وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْعَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِتَحْرِيمِ الْجَنِينِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا ، وَإِنَّهَا لَا تُغْنِي تَذْكِيَةُ الْأُمِّ عَنْ تَذْكِيَتِهِ . قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا نُحِرَتِ النَّاقَةُ فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا ذَكَاتُهَا إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا ذُبِحَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ذَكَاةُ مَا كَانَ فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ ذَكَاةُ أُمِّهِ إِذَا كَانَ قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ وَتَمَّ خَلْقُهُ ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ : وَبِهَذَا نَأْخُذُ إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ فَذَكَاتُهُ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ . فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَكَانَ يَكْرَهُ أَكْلَهُ حَتَّى يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذَكَّى . وَكَانَ يُرْوَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَكُونُ ذَكَاةُ نَفْسٍ ، ذَكَاةَ نَفْسَيْنِ
انْتَهَى .
قُلْتُ : اسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله - بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ هَذَا عَلَى كَرَاهَةِ أَكْلِ الْجَنِينِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ هَذَا اسْتِبْعَادٌ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ بِمُقَابَلَةِ النُّصُوصِ ، وَلَعَلَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُ أَوْ حَمَلَهَا عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهَا ، وَقَالَ قَوْلَهُ : إِذَا تَمَّ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ الذَّبِيحَةِ جَنِينٌ مَيِّتٌ فَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ نَابِتَ الشَّعْرِ يُؤْكَلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَامَّ الْخَلْقِ فَهُوَ مُضْغَةٌ لَا تُؤْكَلُ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ بِحِلِّهِ مُطْلَقًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُؤْكَلُ مُطْلَقًا ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ، فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ذُبِحَ اتِّفَاقًا وَدَلِيلُ مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا بِتَمَامِ الْخِلْقَةِ حَدِيثُ ( ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) رَوَاهُ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ : الْأَوَّلُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَأَحْمَدُ . الثَّانِي جَابِرٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَبُو يَعْلَى . الثَّالِثُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي سَنَدِهِ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ضَعِيفٌ . الرَّابِعُ ابْنُ عُمَرَ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ . الْخَامِسُ أَبُو أَيُّوبَ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْحَاكِمُ . السَّادِسُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . السَّابِعُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . الثَّامِنُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حَدِيثُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ أَبُو أُمَامَةَ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ حَدِيثُهُمَا عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ . الْحَادِيَ عَشَرَ عَلِيٌّ ، حَدِيثُهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ . قَالَ : وَأَجَابَ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ حَدِيثَ ( ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) لَا يَصِحُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَضَعْفُ بَعْضِ طُرُقِهِ غَيْرُ مُضِرٍّ ، وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا تَأْوِيلَ لَهُ ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَمَا خَالَفَهُ ، وَهَذَا حَسَنٌ . وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ رُوِيَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةَ أُمِّهِ بِالنَّصْبِ فَهُوَ عَلَى التَّشْبِيهِ أَيْ : كَذَكَاةِ أُمِّهِ كَمَا يُقَالُ : لِسَانُ الْوَزِيرِ لِسَانَ الْأَمِيرِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ الرَّفْعُ ، صَرَّحَ بِهِ الْمُنْذِرِيُّ . وَيُوَضِّحُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طريق أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ السَّائِلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَنْحَرُ الْإِبِلَ وَالنَّاقَةَ ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ ، أَفَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ فَقَالَ : كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِمُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ أَقْوَى . هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي الْبِنَايَةِ ، انْتَهَى مَا فِي التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ .
قُلْتُ : قَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ الْكَلَامَ عَلَى أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، فَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ .
فَإِنْ قُلْتُ : حَدِيثُ الْبَابِ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي أَنَّ ذَكَاةَ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، وَأَنَّ ذَكَاةَ الْأُمِّ تُغْنِي عَنْ ذَكَاتِهِ ، فَفِي النِّهَايَةِ لِلْجَزَرِيِّ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ . فَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ، فَتَكُونُ ذَكَاةُ الْأُمِّ هِيَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَبْحٍ مُسْتَأْنَفٍ ، وَمَنْ نَصَبَ كَانَ التَّقْدِيرُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ ، فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ نُصِبَ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ يُذَكَّى تَذْكِيَةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحَذَفَ الْمَصْدَرَ وَصِفَتَهُ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ، فَلَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَبْحِ الْجَنِينِ إِذَا خَرَجَ حَيًّا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ بِنَصْبِ الذَّكَاتَيْنِ ، أَيْ ذكوا الْجَنِينِ ذَكَاةَ أُمِّهِ انْتَهَى .
قُلْتُ : نَعَمْ يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ هُوَ الرَّفْعُ ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ الرَّفْعُ فِيهِمَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ : مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَدْحَضَهُ ، فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ لِإِبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ ذَكَاةٍ انْتَهَى .
قُلْتُ : رَوَى أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ الْبَابِ بِلَفْظِ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلَهُ قَالَ : ( كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ جَوَازِ أَكْلِ الْجَنِينِ إِذَا ذُكِّيَتْ أُمُّهُ وَإِنْ لَمْ تُجَدَّدْ لِلْجَنِينِ ذَكَاةٌ ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى أَكْلَ الْجَنِينِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْجَنِينَ يُذَكَّى كَمَا تُذَكَّى أُمُّهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : ذَكَاةُ الْجَنِينِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ( يَعْنِي الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ ) تُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَتَدْحَضُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ تَعْلِيلٌ لِإِبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ ذَكَاةٍ ثَانِيَةٍ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى النِّيَابَةِ عَنْهَا انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ .
قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اعْتَذَرُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِمَا لَا يُغْنِي شَيْئًا ، فَقَالُوا الْمُرَادُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ .
وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَالرِّوَايَةُ بِالرَّفْعِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ رُوِيَ بِلَفْظِ : ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، وَرُوِيَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ انْتَهَى .
وَاسْتَدَلَّ لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رحمه الله - بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجَنِينَ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا فَهُوَ مُذَكًّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ فَهُوَ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ دَاخِلَةٍ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ .
اعْلَمْ أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ قَدْ أَشْعَرَ ، احْتَجَّ بِمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : إِذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ . وَأَيْضًا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مَرْفُوعًا : " ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ " ، وَفِيهِ ضَعْفٌ . وَأَيْضًا قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ قَالَ : " أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ " ، كَذَا فِي النَّيْلِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ : وَلِتَعَارُضِهِمَا لَمْ يَأْخُذْ بِهِمَا الشَّافِعِيَّةُ ، فَقَالُوا : ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ مُطْلَقًا . وَمَالِكٌ أَلْغَى الثَّانِيَ لِضَعْفِهِ وَأَخَذَ بِالْأَوَّلِ لِاعْتِضَادِهِ بِالْمَوْقُوفِ فَقَيَّدَ بِهِ حَدِيثَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ انْتَهَى .
قَوْلُهُ : : ( وَأَبُو الْوَدَّاكِ اسْمُهُ جَبْرُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالرَّاءِ ( بْنُ نَوْفٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالْفَاءِ الْهَمْدَانِيُّ الْبِكَالِيُّ ، كُوفِيٌّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الرَّابِعَةِ .