باب مَا جَاءَ فِي الْغَنِيمَةِ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( فُضِّلْتُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْضِيلِ ( عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ ) أَيْ بِسِتِّ خِصَالٍ ( أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ) قَالَ الْحَافِظُ : جَوَامِعُ الْكَلِمِ الْقُرْآنُ ، فَإِنَّهُ تَقَعُ فِيهِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةُ بِالْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ ، وَكَذَلِكَ يَقَعُ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ مَا لَفْظُهُ : جَوَامِعُ الْكَلِمِ الَّتِي خُصَّ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا مَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ قَالَ الْحَسَنُ : لَمْ تَتْرُكْ هَذِهِ الْآيَةُ خَيْرًا إِلَّا أَمَرَتْ بِهِ ، وَلَا شَرًّا إِلَّا نَهَتْ عَنْهُ .
وَالثَّانِي : مَا هُوَ فِي كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُنْتَشِرٌ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . ( وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ) زَادَ أَبُو أُمَامَةَ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ النَّصْرُ بِالرُّعْبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، وَلَا فِي أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَمَّا مَا دُونَهَا فَلَا ، لَكِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، فَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُهُ بِهِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْغَايَةَ شَهْرًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ بَلَدِهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَعْدَائِهِ أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ حَاصِلَةٌ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَوْ كَانَ وَحْدَهُ بِغَيْرِ عَسْكَرٍ ، وَهَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ لِأُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ فِيهِ احْتِمَالٌ ، انْتَهَى . ( وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ) زَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ( وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا ) أَيْ مَوْضِعَ سُجُودٍ لَا يَخْتَصُّ السُّجُودُ مِنْهَا بِمَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْمَكَانِ الْمَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ ، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الصَّلَاةُ فِي جَمِيعِهَا كَانَتْ كَالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ : قِيلَ : الْمُرَادُ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا وَلَمْ تُجْعَلْ لَهُ طَهُورًا ; لِأَنَّ عِيسَى كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ ، وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ فِي مَوْضِعٍ تَيَقَّنُوا طَهَارَتَهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأُبِيحَ لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنُوا نَجَاسَتَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُمُ الصَّلَاةُ فِي أَمَاكِنَ مَخْصُوصَةٍ ، كَالْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ : وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ ، فَثَبَتَتِ الْخُصُوصِيَّةُ .
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَفِيهِ : وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَحَدٌ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ ( وَطَهُورًا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الطَّهُورَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ تَثْبُتِ الْخُصُوصِيَّةُ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا سِيقَ لِإِثْبَاتِهَا ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ الْجَارُودِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : جُعِلَتْ لِيَ كُلُّ الْأَرْضِ طَيِّبَةً مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَمَعْنَى طَيِّبَةً طَاهِرَةً ، فَلَوْ كَانَ مَعْنَى طَهُورًا طَاهِرًا لَلَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ ( وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ) . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : وَكَانَ النَّبِيُّ ..... . يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً .
قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مَعَهُ ، وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ بَعْثَتِهِ ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ بِالْحَادِثِ الَّذِي وَقَعَ وَهُوَ انْحِصَارُ الْخَلْقِ فِي الْمَوْجُودِينَ ، بَعْدَ هَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ . وَأَمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُمُومُ رِسَالَتِهِ مِنْ أَصْلِ الْبَعْثَةِ ، فَثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِنُوحٍ كَمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ : أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عُمُومَ بَعْثَتِهِ بَلْ إِثْبَاتُ أَوَّلِيَّةِ إِرْسَالِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِتَنْصِيصِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي عِدَّةِ آيَاتٍ عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ نُوحٍ كَانَ إِلَى قَوْمِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ ( وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ ) فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .