باب فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِي
بَاب فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِي
1586 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ ، قَالَ : كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَنَاذِرَ فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ انْظُرْ مَجُوسَ مَنْ قِبَلَكَ ، فَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
( بَابُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِي ) الْجِزْيَةُ : مِنْ جَزَّأْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَسَّمْتُهُ ثُمَّ سُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ ، وَقِيلَ : مِنَ الْجَزَاءِ أَيْ لِأَنَّهَا جَزَاءُ تَرْكِهِمْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ مِنَ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَاضُعٍ عَلَيْهِ فِي عِصْمَةِ دَمِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ أَيْ : ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ ، وَدَلَّ مَنْطُوقُ الْآيَةِ على مشروعيتها مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَفْهُومُهَا أَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : ثَبَتَتِ الْجِزْيَةُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ ، وَعَلَى الْمَجُوسِ بِالسُّنَّةِ . وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ : فَإِذَا أَلْفَيْتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا فَالْجِزْيَةُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ أَخْذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ مَفْهُومِ الْآيَةِ ، فَلَمَّا انْتَفَى تَخْصِيصُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَجُوسَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ ثُمَّ رُفِعَ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ حَدِيثًا عَنْ عَلِيٍّ . ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ بَجَالَةَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ ( بْنِ عَبْدَةَ ) التَّمِيمِيِّ ، مَكِّيٌّ ، ثِقَةٌ ، وَيُعَدُّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ( قَالَ : كُنْت كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِهَمْزَةٍ هُوَ تَمِيمِيٌّ ، تَابِعِيٌّ ، كَانَ وَالِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ بِالْأَهْوَازِ ( عَلَى مَنَاذِرَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ اسْمُ مَوْضِعٍ ( اُنْظُرْ مَجُوسَ مَنْ قِبَلَكَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ( أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ) بِفَتْحِ هَاءٍ وَجِيمٍ قَاعِدَةُ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ كَذَا فِي الْمُغْنِي وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : اسْمُ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ يَلِي الْبَحْرِينِ وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالصَّرْفِ . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : هَجَرُ مُحَرَّكَةٌ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَثْرَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ وَتُنْسَبُ إِلَى هَجَرَ الْيَمَنِ . قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ بِالسُّنَّةِ كَمَا أُخِذَتْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ ، وَقِيلَ : هُمْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ . رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ : كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ فَرُفِعَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ : رَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ : كَانَ الْمَجُوسُ أَهْلَ كِتَابٍ يَقْرَءُونَهُ وَعِلْمٍ يَدْرُسُونَهُ ، فَشَرِبَ أَمِيرُهُمُ الْخَمْرَ ، فَوَقَعَ عَلَى أُخْتِهِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا أَهْلَ الطَّمَعِ فَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ : إِنَّ آدَمَ كَانَ يُنْكِحُ أَوْلَادَهُ بَنَاتِهِ ، فَأَطَاعُوهُ وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ ، فَأُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ وَعَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْهُ ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسَ يُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ . وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا : تُؤْخَذُ مِنْ مَجُوسِ الْعَجَمِ دُونَ مَجُوسِ الْعَرَبِ ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ : يُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ جَمِيعِ كُفَّارِ الْعَجَمِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ . وَعَنْ مَالِكٍ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلَّا مَنِ ارْتَدَّ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَفُقَهَاءُ الشَّامِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْآتِي فِي بَابِ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقِتَالِ مَا لَفْظُهُ : وَالْحَدِيثُ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَجُوسِهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ أَعْرَابًا كَانُوا أَوْ أَعَاجِمَ ، وَيَحْتَجُّ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَبِحَدِيثِ : سُنُّوا بِهِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ لِأَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكِ يُطْلَقُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ تَخْصِيصُهُ مَعْلُومًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ ، انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ .