بَاب مَا جَاءَ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ
حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، ثَني الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالُوا : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ باب ما جاء أي الناس أفضل قَوْلُهُ : ( أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَتَقْدِيرُهُ : هَذَا مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ ، وَإِلَّا فَالْعُلَمَاءُ أَفْضَلُ وَكَذَا الصِّدِّيقُونَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ ( رَجُلٌ ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : مُؤْمِنٌ بَدَلَ رَجُلٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَكَانَ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ قَامَ بِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ ثُمَّ حَصَّلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْجِهَادِ وَأَهْمَلَ الْوَاجِبَاتِ الْعَيْنِيَّةَ ، وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ فَضْلُ الْمُجَاهِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَذْلِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُؤْمِنُ الْمُعْتَزِلُ يَتْلُوهُ فِي الْفَضِيلَةِ لِأَنَّ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ لَا يَسْلَمُ مِنَ ارْتِكَابِ الْآثَامِ فَقَدْ لَا يَفِي هَذَا بِهَذَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِوُقُوعِ الْفِتَنِ انْتَهَى ( يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) زَادَ الشَّيْخَانِ : بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ( ثُمَّ مُؤْمِنٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ ( فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : الشعب ما انفرج بين الجبلين ، وليس المراد نفس الشعب بل المراد الانفراد والاعتزال ، وذكر الشِّعْبُ مِثَالًا لِأَنَّهُ خَالٍ عَنِ النَّاسِ غَالِبًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الِانْفِرَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّلَامَةِ مِنَ الْغِيبَةِ وَاللَّغْوِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا اعْتِزَالُ النَّاسِ أَصْلًا فَقَالَ الْجُمْهُورُ : مَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي الْفِتَنِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرُ النَّاسِ فِيهِ مَنْزِلَةً مَنْ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطْلُبُ الْمَوْتَ فِي مَظَانِّهِ ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَدَعُ النَّاسَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ بَعْجَةَ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّمَا وَرَدَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِذِكْرِ بذكر الشِّعْبِ وَالْجَبَلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ خَالِيًا مِنَ النَّاسِ ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ يَبْعُدُ عَنِ النَّاسِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى ( يَتَّقِي رَبَّهُ ) أَيْ يَخَافُهُ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى ( وَيَدَعُ ) أَيْ يَتْرُكُ ( النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ) فَلَا يُخَاصِمُهُمْ وَلَا يُنَازِعُهُمْ فِي شَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَفْظُهُ قَالَ : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا ؟ قَالَ : الَّذِي يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، وَرَجُلٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي شِعْبٍ مِنَ الشّعبِ وَقَدْ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ . كَذَا فِي التَّرْغِيبِ .