بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ خَرَجَ إلى الْغَزْوِ وَتَرَكَ أَبَوَيْهِ
بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ خَرَجَ إلى الْغَزْوِ وَتَرَكَ أَبَوَيْهِ
1670 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَشُعْبَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : " أَلَكَ وَالِدَانِ " قَالَ : نَعَمْ قَالَ : " فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ " وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الشَّاعِرُ الْأَعْمَى الْمَكِّيُّ وَاسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ .
بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ خَرَجَ إلى الغزو وترك أبويه
قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَاهِمَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إلى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُ لِأَسْتَشِيرَكَ ، فَقَالَ : " هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ " ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : " الْزَمْهَا " الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَذَكَرَهُ انْتَهَى ( قَالَ فَفِيهِمَا ) أَيْ فَفِي خِدْمَتِهِمَا ( فَجَاهِدْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا . قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : فِيهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْأَمْرِ قُدِّمَ لِلِاخْتِصَاصِ وَالْفَاءُ الْأُولَى جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَالثَّانِيَةُ جَزَائِيَّةٌ لِتَضَمُّنِ الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ فَاخْتَصَّ الْمُجَاهِدَةَ فِي خِدْمَةِ الْوَالِدَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ أَيْ إِذَا لَمْ تخْلِصُوا إِلَيَّ الْعِبَادَةَ فِي أَرْضٍ فَأَخْلِصُوهَا فِي غَيْرِهَا . فَحُذِفَ الشَّرْطُ وَعُوِّضَ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ الْمُفِيدِ لِلِاخْتِصَاصِ ضِمْنًا ، وَقَوْلُهُ فَجَاهِدْ جِيءَ بِهِ مُشَاكَلَةً ، يَعْنِي حَيْثُ قَالَ فَجَاهِدْ فِي مَوْضِعِ فَاخْدُمْهُمَا ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجِهَادِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجِهَادُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ . قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ : قَوْلُهُ : " فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ " ، أَيْ فَفِي الْوَالِدَيْنِ فَجَاهِدْ ، الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ جَاهِدْ ، وَلَفْظُ جَاهِدِ الْمَذْكُورُ مُفَسِّرٌ لَهُ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ الْجَزَائِيَّةِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا ، وَمَعْنَاهُ خَصِّصْهُمَا بِالْجِهَادِ ، وَهَذَا كَلَامٌ لَيْسَ ظَاهِرُهُ مُرَادًا ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْجِهَادِ إِيصَالُ الضَّرَرِ لِلْغَيْرِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إِيصَالُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ كُلْفَةِ الْجِهَادِ وَهُوَ بَذْلُ الْمَالِ وَتَعَبُ الْبَدَنِ فَيُئَوَّلُ الْمَعْنَى إِلَى : ابْذُلْ مَالَكَ وَأَتْعِبْ بَدَنَكَ فِي رِضَا وَالِدَيْكَ انْتَهَى . وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : هَذَا فِي جِهَادِ التَّطَوُّعِ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَالِدَيْنِ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِهِمَا وَإِنْ مَنَعَاهُ عَصَاهُمَا وَخَرَجَ ، وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَيَخْرُجُ بِدُونِ إِذْنِهِمَا فَرْضًا كَانَ الْجِهَادُ أَوْ تَطَوُّعًا ، وَكَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالزِّيَارَةِ وَلَا يَصُومُ التَّطَوُّعَ إِذَا كَرِهَ الْوَالِدَانِ الْمُسْلِمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِإِذْنِهِمَا انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ( وَاسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخٍ ) ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ .