بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَشُورَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَشُورَةِ
1714 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى ؟ " وذَكَرَ قِصَّةً طويلة وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَشُورَةِ ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْمَشُورَةُ بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَبِسُكُونِ مُعْجَمة وَفَتْحِ وَاوٍ لُغَتَانِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَشَارَ
إِلَيْهِ بِكَذَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَهِيَ الشُّورَى وَالْمَشُورَةُ مَفْعَلَةٌ لَا مَفْعُولَةٌ ، وَاسْتَشَارَهُ طَلَبَ مِنْهُ الْمَشُورَةَ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْمَشُورَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، وَبِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ لُغَتَانِ ، وَالْأُولَى أَرْجَحُ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا اسْمَ لَهُ غَيْرُهَا ، وَيُقَالُ : اسْمُهُ عَامِرٌ ، كُوفِيٌّ ، ثِقَةٌ ، مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِيهِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَجِيءَ بِالْأُسَارَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَسْرَى وَهُوَ جَمْعُ أَسِيرٍ ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى ؟ وَذَكَر قِصَّةً طَوِيلَةً ) كَذَا أَوْرَدَه التِّرْمِذِيُّ ، هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مُخْتَصَرًا بِغَيْرِ ذِكْرِ الْقِصَّةِ ، وَأَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ مُطَوَّلًا عَنْهُ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأُسَارَى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأْنِ بِهِمْ ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ . وَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ فَدَعْهُمْ نَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَمَكِّنْ حَمْزَةَ مِنَ الْعَبَّاسِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ - نَسِيبٍ لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نَارًا ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : قَطَعْتَ رَحِمَكَ . فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُجِبْهُمْ ، ثُمَّ دَخَلَ ، فَقَالَ نَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ نَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ ، وَقَالَ نَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللِّينِ ، وَيَشُدُّ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ ، وَإِنَّ مَثَلَك يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَمَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى ، قَالَ : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾وَمَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ ، قَالَ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا وَمَثَلَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَمَثَلِ مُوسَى ، قَالَ : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْيَوْمَ أَنْتُمْ عَالَةٌ فَلَا يَفْلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَانِ يَبْكِيَانِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبِرْنِي مِنْ أَيْ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبْكِي عَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْهِ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ الْآيَةَ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَقَالَ : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
وَاخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُشَاوِرَ أَصْحَابَهُ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِي مَكَائِدِ الْحُرُوبِ ، وَعِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ وَتَأْلِيفًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ، وَلِيَرَوْا أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْهُمْ وَيَسْتَعِينُ بِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ أَغْنَاهُ عَنْ رَأْيِهِمْ بِوَحْيِهِ ، رُوِيَ هَذَا عَنْ قَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِيمَا لَمْ يَأْتِهِ فِيهِ وَحْيٌ لِيُبَيِّنَ لهم صَوَابَ الرَّأْيِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَالضِّحَاكِ قَالَا : مَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْمُشَاوَرَةِ لِحَاجَتِهِ إِلَى رَأْيِهِمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا فِي الْمَشُورَةِ مِنَ الْفَضْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَمَرَ بِهَا مَعَ غِنَاهُ عَنْهُمْ لِتَدْبِيرِهِ تَعَالَى لَهُ وَسِيَاسَتِهِ إِيَّاهُ لِيَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ وَيَقْتَدُوا بِهِ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ النَّوَازِلِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِشَارَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، اسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، وَأَصْحَابَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي بَابِ الْإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَإِبَاحَةِ الْغَنَائِمِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ فَدَاءِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِي بَابِ مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) تَحْسِينُهُ لِشَوَاهِدِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ بَعْدُ ( وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ .