بَاب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْفِرَاءِ
بَاب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْفِرَاءِ
1726 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ، ثَنَا سَيْفُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ فَقَالَ : " الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ " وَفِي الْبَاب عَنْ الْمُغِيرَةِ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَرَوَى سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَوْلَهُ وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ
، ، ، ، ، ، ، ، ( بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْفِرَاءِ )
بِكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ فَرْوٍ وَهُوَ لُبْسٌ كَالْجُبَّةِ يُبَطَّنُ مِنْ جُلُودِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ كَالْأَرَانِبِ وَالسَّمُّورِ ، يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بوستين .
قَوْلُهُ : ( عَنْ سَيْفِ بْنِ هَارُونَ ) الْبُرْجُمِيِّ قَالَ فِي النَّيْلِ : هُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي السُّؤَالِ عَنِ الْفِرَاءِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبُنِّ الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ : ( عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبُنِّ ) كَعُتُلٍّ هُوَ لَبَنٌ يُجَمَّدُ يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بنير ( وَالْفِرَاءِ ) قَالَ الْقَارِيُّ : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ جَمْعُ الْفَرَاءِ بِفَتْحِ الْفَاءِ مَدًّا وَقَصْرًا وَهُوَ حِمَارُ الْوَحْشِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : هُوَ هَاهُنَا جَمْعُ الْفَرْوِ الَّذِي يُلْبَسُ وَيَشْهَدُ لَهُ صَنِيعُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ كَالتِّرْمِذِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ لُبْسِ الْفَرْوِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي بَابِ السَّمْنِ وَالْجُبُنِّ ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا : وَقِيلَ : هَذَا غَلَطٌ بَلْ جَمْعُ الْفَرْوِ الَّذِي يُلْبَسُ وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْهَا حَذَرًا مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي اتِّخَاذِهِمُ الْفِرَاءَ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ مِنْ غَيْرِ دِبَاغٍ ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ أَوْرَدُوا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ انْتَهَى ( الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ) أَيْ بَيَّنَ تَحْلِيلَهُ ( فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) أَيْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ ( فِي كِتَابِهِ ) يَعْنِي إِمَّا مُبَيَّنًا وَإِمَّا مُجْمَلًا بِقَوْلِهِ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا لِئَلَّا يَشْكُلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي صَحَّ تَحْرِيمُهَا بِالْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْكِتَابِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ هُوَ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ أَوِ الْإِشَارَةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ لِحَدِيثِ : إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ انْتَهَى ( وَمَا سَكَتَ ) أَيِ الْكِتَابُ ( عَنْهُ ) أَيْ عَنْ بَيَانِهِ أَوْ وَمَا أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْ بَيَانِ تَحْرِيمِهِ وَتَحْلِيلِهِ رَحْمَةً مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ ( فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ ) أَيْ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ وَأَبَاحَ فِي أَكْلِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
تَنْبِيهٌ :
اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِ التُّنْبَاكِ وَشُرْبِ دُخَانِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَبِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ . قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي إِرْشَادِ السَّائِلِ إِلَى أَدِلَّةِ الْمَسَائِلِ بَعْدَمَا أَثْبَتَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ حَلَالٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ مَا لَفْظُهُ : إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي سَمَّاهَا بَعْضُ النَّاسِ التُّنْبَاكَ وَبَعْضُهُمُ التُّوتُونَ لَمْ يَأْتِ فِيهَا دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُسْكِرَاتِ ، وَلَا مِنَ السُّمُومِ وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ آجِلًا أَوْ عَاجِلًا ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا حَرَامٌ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَلَا يُفِيدُ مُجَرَّدُ الْقَالِ وَالْقِيلِ انْتَهَى .
قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِضْرَارِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُضِرَّةً فِي الْآجِلِ أَوِ الْعَاجِلِ فَكَلَّا ثُمَّ كَلَّا . وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّوْكَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ آجِلًا أَوْ عَاجِلًا ، وَأَكْلُ التُّنْبَاكِ وَشُرْبُ دُخَانِهِ مضر بِلَا مِرْيَةٍ وَإِضْرَارُهُ عَاجِلًا ظَاهِرٌ غَيْرُ خَفِيٍّ ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدٍ فِيهِ شَكٌّ فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ وَزْنَ رُبُعِ دِرْهَمٍ أَوْ سُدُسِهِ ثُمَّ لِيَنْظُرْ كَيْفَ يَدُورُ رَأْسُهُ وَتَخْتَلُّ حَوَاسُّهُ وَتَتَقَلَّبُ نَفْسُهُ بحَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ ، بَلْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَمْشِيَ ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ مُضِرٌّ بِلَا شَكٍّ . فَقَوْلُ الشَّوْكَانِيِّ : وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ آجِلًا أَمْ عَاجِلًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ . وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ لَكَ أَنَّ إِضْرَارَهُ عَاجِلًا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ إِبَاحَةِ أَكْلِهِ وَشُرْبِ دُخَانِهِ . هَذَا مَا عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَفِي سَنَدِهِ سَيْفُ بْنُ هَارُونَ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ .