بَاب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ
بَاب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ
1857 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْهَاشِمِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ قَالَ : ادْنُ يَا بُنَيَّ ، فسَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَبُو وَجْزَةَ السَّعْدِيُّ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ . .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ قَوْلُ : بِاسْمِ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ ، وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّسْمِيَةِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ : بِاسْمِ اللَّهِ ، فَإِنْ نَسِيَ فَلْيَقُلْ : بِاسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ . وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي أدَبِ الْأَكْلِ مِنَ الْأَذْكَارِ : صِفَةُ التَّسْمِيَةِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فَإِنْ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ - كَفَاهُ وَحَصَلَتِ السُّنَّةُ ، فَلَمْ أَرَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ دَلِيلًا خَاصًّا . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ مِنَ الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ : بِسْمِ اللَّهِ كَانَ حَسَنًا وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى بِسْمِ اللَّهِ وَمَعَ الثَّانِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَمَعَ الثَّالِثَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾- فَلَمْ أَرَ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ دَلِيلًا ، وَالتَّكْرَارُ قَدْ بَيَّنَ هُوَ وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ : حَتَّى لَا يَشْغَلَهُ الْأَكْلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قَوْلُهُ : ( ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ( عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ) بْنِ عَبْدِ الأسد الْمَخْزُومِيِّ ، رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، أُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّرَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ ، قَالَ : ادْنُ يَا بُنَيَّ ، فَسَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ) أَيْ مِمَّا يَقْرَبُكَ ، لَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ يَقُولُ : كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا غُلَامُ ، سَمِّ اللَّهَ - الْحَدِيثَ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آخِرِهِ كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَكَذَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِ الشَّرَابِ ، بَلْ فِي أَوَّلِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ ؛ لِيُسْمِعَ
غَيْرَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَيْهَا . وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَاجِزًا لِعَارِضٍ آخَرَ ثُمَّ تَمَكَّنَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهِ مِنْهَا اسْتُحِبَّ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ .
وَالتَّسْمِيَةُ فِي شُرْبِ الْمَاءِ ، وَاللَّبَنِ ، وَالْعَسَلِ ، وَالْمَرَقِ ، وَالدَّوَاءِ ، وَسَائِرِ الْمَشْرُوبَاتِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَتَحْصُلُ التَّسْمِيَةُ بِقَوْلِهِ : بِسْمِ اللَّهِ ، فَإِنْ قَالَ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾كَانَ حَسَنًا ، وَسَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ : وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ لِأَنَّ أَكْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ فَقَدْ يَتَقَذَّرُهُ صَاحِبُهُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَشَبَهِهَا ، وَهَذَا فِي الثَّرِيدِ وَالْأَمْرَاقِ وَشَبَهِهَا فَإِنْ كَانَ تَمْرًا وَأَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ وَنَحْوِهِ . وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيمُ النَّهْيِ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ ، انْتَهَى . قَالَ الْقَارِيُّ : سَيَأْتِي حَدِيثُ عِكْرَاشٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أَكْلِ التَّمْرِ : يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ لَوْنٍ وَاحِدٍ .
قُلْتُ : حَدِيثُ عِكْرَاشٍ هَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي نَقْلِ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي أَوَّلِهِ نَظَرٌ إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَضِيَّةُ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِالْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ) قَالَ الْحَافِظُ : فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ عَرَّجَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لِذَلِكَ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( أَبُو وَجْزَةَ السَّعْدِيُّ إِلَخْ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو وَجْزَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ السَّعْدِيُّ ، الْمَدَنِيُّ الشَّاعِرُ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْخَامِسَةِ .