بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا
1883 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) هُوَ الْمَدَنِيُّ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِغُنْدُرٍ ( عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْعَوْذِيُّ .
قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ ( يَشْرَبُ قَائِمًا ) أَيْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ ( وَقَاعِدًا ) أَيْ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَسَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَسَالِكَ أَحَدُهَا التَّرْجِيحُ ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ أَثْبَتُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ فَقَالَ حَدِيثُ أَنَسٍ - يَعْنِي فِي النَّهْيِ - : جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْهُ خِلَافُهُ - يَعْنِي فِي الْجَوَازِ - ، قَالَ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ فِي النَّهْيِ أَثْبَتُ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ فِي الْجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ الَّذِي يُقَابِلُهُ أَقْوَى لِأَنَّ الْثَّبتَ قَدْ يَرْوِي هُوَ وَمَنْ دُونَهُ الشَّيْءَ فَيُرَجَّحُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ رُجِّحَ نَافِعٌ عَلَى سَالِمٍ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَالِمٌ مُقَدَّمٌ عَلَى نَافِعٍ فِي التَّثَبُّتِ ، وَقُدِّمَ شَرِيكٌ عَلَى الثَّوْرِيِّ فِي حَدِيثَيْنِ ، وَسُفْيَانُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ
فِي جُمْلَةِ أَحَادِيثَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِمًا ، قَالَ الْأَثْرَمُ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ فِي النَّهْيِ لَيْسَتْ ثَابِتَةً وَإِلَّا لَمَا قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى وهاء أَحَادِيثُ النَّهْيِ أَيْضًا اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيءَ .
الْمَسْلَكُ الثَّانِي : دَعْوَى النَّسْخِ وَإِلَيْهَا جَنَحَ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ شَاهِينٍ فَقَرَّرَا عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْجَوَازِ بِقَرِينَةِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمُعْظَمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالْجَوَازِ ، وَقَدْ عَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ فَادَّعَى نَسْخَ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ الْجَوَازَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مُقَرِّرَةٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ ، فَمَنِ ادَّعَى الْجَوَازَ بَعْدَ النَّهْيِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ مُتَأَخِّرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَخِيرَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَيَتَأَيَّدُ بِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ .
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ ، فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الثَّقَفِيُّ : الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ هُنَا الْمَشْيُ ، يُقَالُ : قَامَ فِي الْأَمْرِ إِذَا مَشَى فِيهِ ، وَقُمْتُ فِي حَاجَتِي إِذَا سَعَيْتُ فِيهَا وَقَضَيْتُهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا أَي مُوَاظِبًا بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ ، وَجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى تَأْوِيلٍ آخَرَ وَهُوَ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ شُرْبِهِ ، وَهَذَا إِنْ سُلِّمَ لَهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْأَحَادِيثِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فِي بَقِيَّتِهَا ، وَسَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجَمْعِ حَمْلَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَحَادِيثِ الْجَوَازِ عَلَى بَيَانِهِ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخَطَّابِيِّ ، وَابْنِ بَطَّالٍ فِي آخَرِينَ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَحْسَنُ الْمَسَالِكِ وَأَسْلَمُهَا وَأَبْعَدُهَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ ، وَقَدْ أَشَارَ الْأَثْرَمُ إِلَى ذَلِكَ أَخِيرًا ، فَقَالَ : إِنْ ثَبَتَتِ الْكَرَاهَةُ حُمِلَتْ عَلَى الْإِرْشَادِ وَالتَّأْدِيبِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ حَرَّمَهُ أَوْ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ جَوَّزَهُ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بَيَانًا وَاضِحًا ، فَلَمَّا تَعَارَضَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ جَمَعْنَا بَيْنَها بِهَذَا ، وَقِيلَ : إِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ مَخَافَةَ وُقُوعِ ضَرَرٍ بِهِ ، فَإِنَّ الشُّرْبَ قَاعِدًا أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنَ الشَّرَقِ وَحُصُولِ الْوَجَعِ فِي الْكَبِدِ أَوِ الْحَلْقِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ لَا يَأْمَنُ مِنْهُ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّ النَّهْيَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَمَّا شُرْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا فَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ ، فَلَا إِشْكَالَ وَلَا تَعَارُضَ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ نَسْخًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا ، وَكَيْفَ يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخُ وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ الشُّرْبُ قَائِمًا مَكْرُوهًا ، وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا ، بَلِ الْبَيَانُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَالطَّوَافَ مَاشِيًا أَكْمَلُ ، وَنَظَائِرُ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ ، فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَبِّهُ عَلَى جَوَازِ الشَّيْءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ وَيُوَاظِبُ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُ ، وَهَكَذَا كَانَ أَكْثَرُ وُضُوئِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَأَكْثَرُ طَوَافِهِ مَاشِيًا ، وَأَكْثَرُ شُرْبِهِ جَالِسًا ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يَتَشَكَّكُ فِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى نِسْبَةٍ إِلَى عِلْمٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّدْبِ ، فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَتَقَيَّأَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ إِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ نَاسِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَ فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِشَارَتِهِ ، وَكَوْنُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يُوجِبُوا الِاسْتِقَاءَة لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا مُسْتَحَبَّةً ، فَإِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ مَنْعَ الِاسْتِحْبَابِ فَهُوَ مُجَازِفٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِحْبَابِ ؟ وَكَيْفَ تُتْرَكُ هَذِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ بِالتَّوَهُّمَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالتُّرَّهَاتِ ؟ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الِاسْتِقَاءَةُ لِمَنْ شَرِبَ قَائِمًا نَاسِيًا وَمُتَعَمِّدًا ، وَذِكْرُ النَّاسِي فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْقَاصِدَ يُخَالِفُهُ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالنَّاسِي وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَالْعَامِدُ الْمُخَاطَبُ الْمُكَلَّفُ الْأَوْلَى ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ .