بَاب
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِمِيقَاتِهَا ، قُلْتُ : ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قال : قُلْتُ : ثُمَّ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ سَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي . ، هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وقد رَوَاهُ الشَّيْبَانِيُّ ، وَشُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وأبو عمرو الشيباني اسمه سعد بن إياس .
باب قَوْلُهُ : ( عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ ) بْنِ حُرَيْثٍ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ ، ثِقَةٌ ، مِنَ الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ) قَالَ الْحَافِظُ : مُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَجْوِبَةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَنَّ الْجَوَابَ اخْتُلِفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ ، بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ ، أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ ، فَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا ، وَقَدْ تَضَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي وَقْتِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ تَكُونُ الصَّدَقَةُ أَفْضَلَ ، أَوْ أَنَّ أَفْضَلَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا ، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْفَضْلُ الْمُطْلَقُ ، أَوِ الْمُرَادُ : مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، فَحُذِفَتْ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ ، انْتَهَى . ( قَالَ : الصَّلَاةُ لِمِيقَاتِهَا ) وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : لِوَقْتِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : عَلَى وَقْتِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ ، والدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ : فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إِنَّ رِوَايَةً فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ضَعِيفَةٌ ، انْتَهَى .
( قُلْتُ : ثُمَّ مَاذَا ؟ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : ثُمَّ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ لَا لِتَرَاخِي الزَّمَانِ ، أَيْ ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ ( قَالَ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ) أَيْ أَوْ أَحَدِهِمَا ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَيْثُ قَالَ : مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ ، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ عَقِبَها فَقَدْ شَكَرَ لَهُمَا ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ ابْنُ بَزيزَةَ : الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقْدِيمُ الْجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبَدَنِ لِأَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفْسِ ، إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَمْرٌ لَازِمٌ مُتَكَرِّرٌ دَائِمٌ لَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ ( ثُمَّ سَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هُوَ مَقُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ ) أَيِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يَعْنِي لَوْ سَأَلْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ( لَزَادَنِي ) فِي الْجَوَابِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَفِي الْمِرْقَاةِ : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا ، قَالَ الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي خِلَافِيَّاتِهِ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا .
قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْبَانِيُّ ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَرْحِهِ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَضْلِ .