بَاب مَا جَاءَ فِي الْعِيِّ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قَالَ : وَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ وَالْبَذَاءُ هُوَ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ وَالْبَيَانُ هُوَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْخُطَبَاءِ الَّذِينَ يَخْطُبُونَ فَيتوَسعُونَ فِي الْكَلَامِ وَيَتَفَصَّحُونَ فِيهِ مِنْ مَدْحِ النَّاسِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعِيِّ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَيِيَ فِي الْمَنْطِقِ كَرَضِيَ عِيًّا بِالْكَسْرِ حَصِرَ انْتَهَى ، وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : عِيّ بِالْكَسْرِ درما ندكي به سخن وَهُوَ خِلَافُ الْبَيَانِ ، يُقَالُ : عَيَّ فِي مَنْطِقِهِ وَعَيِيَ أَيْضًا فَهُوَ عَيِيٌّ عَلَى فَعِيلٍ ، وَعَيَّ أَيْضًا عَلَى فَعَلَ وَهُمْ أَعَيَاءٌ وَأَعْيِيَاءُ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَارِيَةَ التَّيْمِيُّ اللَّيْثِيُّ أَبُو غَسَّانَ الْمَدَنِيُّ يُقَالُ إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي عُمَرَ ، نَزَلَ عَسْقَلَانَ ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ ، رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ ( عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ) الْمُحَارِبِيِّ مَوْلَاهُمُ الدِّمَشْقِيِّ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ ، عَابِدٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ ) أَيِ الْعَجْزُ فِي الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ السُّكُوتُ عَمَّا فِيهِ إِثْمٌ مِنَ النَّثْرِ وَالشِّعْرِ لَا مَا يَكُونُ لِلْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ قَالَهُ الْقَارِي ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْعِيُّ التَّحَيُّرُ فِي الْكَلَامِ وَأَرَادَ بِهِ مَا كَانَ بِسَبَبِ التَّأَمُّلِ فِي الْمَقَالِ ، وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْوَبَالِ انْتَهَى ، قُلْتُ : وَفَسَّرَ التِّرْمِذِيُّ .. .
الْعِيَّ فِيمَا بَعْدُ بِقِلَّةِ الْكَلَامِ يَعْنِي حَذَرًا عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي مَا لَا يَعْنِي ( شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ ) أَيْ أَثَرَانِ مِنْ آثَارِهِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْمِلُهُ الْإِيمَانُ عَلَى الْحَيَاءِ فَيَتْرُكُ الْقَبَائِحَ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَمْنَعُهُ عَنِ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَلَامِ شَفَقَةً عَنْ عَثْرَةِ اللِّسَانِ ، فَهُمَا شُعْبَتَانِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ مُنْشَؤُهُمَا وَمُنْشَأُ كُلِّ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانٍ . ( وَالْبَذَاءُ ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَذَالٌ مُعْجَمَةٌ فُحْشُ الْكَلَامِ أَوْ خِلَافُ الْحَيَاءِ ( وَالْبَيَانُ ) أَيِ الْفَصَاحَةُ الزَّائِدَةُ عَنْ مِقْدَارِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّعَمُّقِ فِي النُّطْقِ وَإِظْهَارِ التَّفَاصُحِ لِلتَّقَدُّمِ عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَرَادَ بِالْبَيَانِ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الِاجْتِرَاءَ وَعَدَم الْمُبَالَاةِ بِالطُّغْيَانِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ انْتَهَى ( شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ ) قَالَ فِي التَّيْسِيرِ أَيْ هُمَا خَصْلَتَانِ مُنْشَؤهُمَا النِّفَاقُ أَوْ مُؤَدِّيَانِ إِلَيْهِ ، وَأَرَادَ بِالْبَيَانِ هُنَا كَثْرَةَ الْكَلَامِ ، وَالتَّكَلُّفَ لِلنَّاسِ بِكَثْرَةِ التَّمَلُّقِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَإِظْهَارِ التَّفَصُّحِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ يَتَمَلَّقُ الْإِنْسَانُ إِلَى حَدٍّ يُخْرِجُهُ إِلَى صَرِيحِ النِّفَاقِ وَحَقِيقَتِهِ انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ كَذَا نَقَلَهُ مَيْرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ انْتَهَى ، وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : صَحِيحٌ ، انْتَهَى ، ( قَالَ وَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ إِلَخْ ) أَيْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ : وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ الْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ أَيْ تَحَرُّزًا عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي مَا لَا يَنْبَغِي .