بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى التَّعْوِيذِ
بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى التَّعْوِيذِ
2063 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ ، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلْنَاهُمْ الْقِرَى ، فَلَمْ يَقْرُونَا ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ فَأَتَوْنَا ، فَقَالُوا : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَرْقِي مِنْ الْعَقْرَبِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، أَنَا ، وَلَكِنْ لَا أَرْقِيهِ حَتَّى تُعْطُونَا غَنَمًا . قَالوا : فَإنا نعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً ، فَقَبِلْنَا ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ : الْحَمْدُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَبَرَأَ ، وَقَبَضْنَا الْغَنَمَ . قَالَ : فَعَرَضَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقُلْنَا : لَا تَعْجَلُوا حَتَّى تَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَيْهِ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي صَنَعْتُ ، قَالَ : وَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ اقْبِضُوا الْغَنَمَ ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح .
وَأَبُو نَضْرَةَ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ ، وَرَخَّصَ الشَّافِعِيُّ لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرًا ، وَيَرَى لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
وَرَوَى شُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا الْحَدِيثَ .
باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ قَوْلُهُ : ( عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ ) كُنْيَتُهُ أَبُو بِشْرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَثْقِيلِ التَّحْتَانِيَّةِ ، ثِقَةٌ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَضَعَّفَهُ شُعْبَةُ فِي حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، وَفِي مُجَاهِدٍ : مِنَ الْخَامِسَةِ ( عَنْ أَبِي نَضِرَةَ ) هُوَ الْعَبْدِيُّ .
قَوْلُهُ : ( بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : " بَعَثَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ " ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ : " بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا ، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ لَيْلًا " ، فَأَفَادَتْ عَدَدَ السَّرِيَّةِ وَوَقْتَ النُّزُولِ ، كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ تَعْيِينَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ( فَسَأَلْنَاهُمُ الْقِرَى ) بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورًا : الضِّيَافَةَ ( فَلَمْ يَقْرُونَا ) أَيْ : فَلَمْ يُضَيِّفُونَا ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَرَى الضَّيْفَ قِرًى بِالْكَسْرِ والقصر وَالْفَتْحِ وَالْمَدِّ أَضَافَهُ كَاقْتَرَاهُ ( فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَاللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ اللَّسْعُ وَزْنًا
وَمَعْنًى ، وَأَمَّا اللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْإِحْرَاقُ الْخَفِيفُ ، وَاللَّدْغُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ ضَرْبُ ذَاتِ الْحُمَّةِ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْرَبِ ، وَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ تَعْيِينَ الْعَقْرَبِ .
فَإِنْ قُلْتَ : عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ أَنَّهُ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ أَوْ لَدِيغٌ .
قُلْتُ : هَذَا شَكٌّ مِنْ هُشَيْمٍ ، وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ أَنَّهُ لَدِيغٌ ، وَلَمْ يَشُكُّوا ، خُصُوصًا تَصْرِيحَ الْأَعْمَشِ بِالْعَقْرَبِ .
فَإِنْ قُلْتَ : جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ يَعْنِي ؛ عِلَاقَةَ بْنَ صَحَّارٍ : أَنَّهُ رَقَى مَجْنُونًا مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَبَرَأَ ، فَأَعْطَوْنِي مِائَتَيْ شَاة ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : خُذْهُمَا وَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ .
قُلْتُ : هُمَا قَضِيَّتَانِ ؛ لِأَنَّ الرَّاقِيَ هُنَاكَ أَبُو سَعِيدٍ ، وَهُنَا عِلَاقَةُ بْنُ صَحَّارٍ وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ .
( فَأَتَوْنَا ) أَيْ : فَجَاءُونَا ( فَقَالُوا : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ ؟ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : رَقَاهُ رَقْيًا وَرَقِيًّا ورقية : نَفَثَ فِي عُوذَتِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : الْعُوذَةُ : الرُّقْيَةُ ، كَالْمَعَاذَةِ وَالتَّعْوِيذِ ، انْتَهَى .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : " فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ ، فَأَتَوْهُمْ ، فَقَالُوا : يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ " .
( فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : " فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ ، وَيَقْرَأُ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾" ، قَالَ الْحَافِظُ : قوله : يَتْفُلُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ نَفَخَ مَعَهُ قَلِيلَ بُزَاقٍ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ : مَحَلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ؛ لِتَحْصِيلِ بَرَكَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ فِي الرِّيقِ الَّذِي يَتْفُلُهُ .
( فَبَرَأَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : " فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قُلْبَةٌ " .
( وَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ) : أَيْ : كَيْفَ عَلِمْتَ ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " وَمَا يُدْرِيَكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ " ( وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ ) أَيِ : اجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْنِيسِهِمْ ، كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ : جَوَازُ الرُّقْيَةِ بِشَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ ، أَوْ مِمَّا يُشَابِهُهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِأَلْفَاظٍ مِمَّا لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهَا ، مِنَ الْأَلْفَاظِ الْغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِبَعْضِ الْكَلَامِ خَوَاصَّ وَمَنَافِعَ ، فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ بِالْفَاتِحَةِ الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ مِثْلُهَا ؛ لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ مَعَانِي الْكِتَابِ ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَمَجَامِعِهَا ، وَإِثْبَاتِ الْمَعَادِ وَذِكْرِ التَّوْحِيدِ ، وَالِافْتِقَارِ إِلَى الرَّبِّ فِي طَلَبِ الْإِعَانَةِ بِهِ وَالْهِدَايَةِ مِنْهُ ، وَذِكْرِ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ وَهُوَ طَلَبُ الْهِدَايَةِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ ، وَلِتَضَمُّنِهَا ذِكْرَ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَقِسْمَتَهُمْ إِلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَمَغْضُوبٍ عَلَيْهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ، وَضَالٍّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ ، مَعَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْمَعَادِ وَالتَّوْبَةِ ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ ، وَالرَّدِّ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( وَرَخَّصَ الشَّافِعِيُّ لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرًا ) ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَآخَرُونَ مِنَ السَّلَفِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَجَازَهُ فِي الرُّقْيَةِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : قَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا الْحَنَفِيَّةَ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : وَقَدْ أَجَازَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ( وَيَرَى ) أَيْ يَعْتَقِدُ الشَّافِعِيُّ ( لَهُ ) أَيْ يَجُوزُ لِلْمُعَلِّمِ ( أَنْ يَشْتَرِطَ ) أَيْ أَخْذَ الْأُجْرَةِ ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ( وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ) الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ وَاضِحٌ ، وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ حَيْثُ قَالَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ أَخْذِ الْأَجْرِ فِي الرُّقَى يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيمِ بِالْأَجْرِ ، انْتَهَى .
قلت : لَمْ يَذْكُرِ الْقُرْطُبِيُّ سَنَدَ الْمَنْعِ ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهٌ صَحِيحٌ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ للْجُمْهُور بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ " ، فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : " اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا ، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ " .
وَاسْتَدَلَّ للْجُمْهُور أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : اسْتَدَلَّ بِهِ للْجُمْهُور فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَمَنَعُوهُ فِي التَّعْلِيمِ وَأَجَازُوهُ فِي الرُّقَى كَالدَّوَاءِ ، قَالُوا : لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ وَالْأَجْرُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الرُّقَى ، إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ فِيهَا لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَجْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الثَّوَابِ ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِثْبَاتٌ لِلنَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ؛ لِتُوَافِقَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كَحَدِيثَيِ الْبَابِ ، ( يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمَ آنِفًا ، وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ) وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ أَيْضًا لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَلَا تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْرِ هُنَا الثَّوَابُ ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَأْبَى ذَلِكَ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْقَاضِيَةَ بِالْمَنْعِ وَقَائِعُ أَعْيَانٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لِتُوَافِقَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، كَحَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَبِأَنَّهَا مِمَّا لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، فَلَا تَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ مَا فِي الصَّحِيحِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَلَفَ أَنَّهَا تَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ إِمَّا بِحَمْلِ الْأَجْرِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَلَى الثَّوَابِ كَمَا سَلَفَ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ، أَوِ الْمُرَادُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَى الرُّقْيَةِ فَقَطْ ، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ السِّيَاقُ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِالْمَنْعِ ، أَوْ بحمَل الْأَجْر هُنَا عَلَى عُمُومِهِ ، فَيَشْمَلُ الْأَجْرَ عَلَى الرُّقْيَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالتَّعْلِيمِ ،
وَيَخُصُّ أَخْذَهَا عَلَى التَّعْلِيمِ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّم وَيَجُوزُ مَا عَدَاهُ ، وَهَذَا أَظْهَرُ وُجُوهِ الْجَمْعِ فَيَنْبَغِي الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : الرِّوَايَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ضِعَافٌ لَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا بِمَجْمُوعِهَا تَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ ، فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَصَحُّ مِنْهَا وَأَقْوَى ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ ، هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .