بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَسَلِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَسَلِ
2082 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، قال : فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إني قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ، اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
باب ما جاء في العسل
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ) اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَخِي اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ ، أَيْ : كَثُرَ خُرُوجُ مَا فِيهِ ، يُرِيدُ الْإِسْهَالَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : " إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ " وَهِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ : أَيْ : فَسَدَ هَضْمُهُ لِاعْتِلَالِ الْمَعِدَةِ ، وَمِثْلُهُ : ذَرِبَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْعَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى .
( فَقَالَ اسْقِهِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( عَسَلًا ) ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِسَقْيِهِ صِرْفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا ( صَدَقَ اللَّهُ ) أَيْ فِيمَا قَالَ : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَذَا قِيلَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ كَوْنَ شِفَاءَ ذَلِكَ الْبَطْنِ فِي شُرْبِهِ الْعَسَلَ قَدْ أوْحَي إِلَيَّ وَاللَّهُ تَعَالَى صَادِقٌ فِيهِ ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَوْلَى مِمَّا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، قَالَ الْقَارِي : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَإِثْبَاتُ الْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ .
( وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : أَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ ، يُقَالُ : كَذَبَ سَمْعُكَ ، أَيْ : زَلَّ فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَةَ مَا قِيلَ لَهُ ، فَمَعْنَى كَذَبَ بَطْنُهُ ، أَيْ : لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ بَلْ زَلَّ عَنْهُ .
وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ فَقَالَ : الْعَسَلُ مُسَهِّلٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الْإِسْهَالُ ؟
وَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالْعَادَةِ وَالزَّمَانِ وَالْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ وَالتَّدْبِيرِ وَقُوَّةِ الطَّبِيعَةِ ، وَعَلَى أَنَّ الْإِسْهَالَ يَحْدُثُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْهَا الْهَيْضَةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ تُخَمَةٍ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَاجَهَا بِتَرْكِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِهَا ، فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مُسَهِّلٍ مُعَيَّنٍ أُعِينَتْ مَا دَامَ بِالْعَلِيلِ قُوَّةٌ ، فَكَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ اسْتِطْلَاقُ بَطْنِهِ عَنْ تُخَمَةٍ أَصَابَتْهُ فَوَصَفَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَلَ لِدَفْعِ الْفُضُولِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي نَوَاحِي الْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ ؛ لِمَا فِي الْعَسَلِ مِنَ الْجَلَاءِ وَدَفْعِ الْفُضُولِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَعِدَةَ مِنْ أَخْلَاطٍ لَزِجَةٍ تَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْغِذَاءِ فِيهَا ، وَلِلْمَعِدَةِ خَمْلٌ كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ ، فَإِذا عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاطُ اللَّزِجَةُ أَفْسَدَتْهَا وَأَفْسَدَتِ الْغِذَاءَ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا ، فَكَانَ دَوَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالِ مَا يَجْلُو تِلْكَ الْأَخْلَاطَ ، وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْعَسَلِ لَا سِيَّمَا إِنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمِّيَّةٌ بِحَسَبِ الدَّاءِ إِنْ قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ جَاوَزَهُ أَوْهَى الْقُوَّةَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَرَ ، فَكَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْهُ أَوَّلًا مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدَّاءِ فَأَمَرَه بِمُعَاوَدَةِ سَقْيِهِ ، فَلَمَّا تَكَرَّرَتِ الشَّرَبَاتُ بِحَسَبِ مَادَّةِ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ نَافِعٌ ، وَأَنَّ بَقَاءَ الدَّاءِ لَيْسَ لِقُصُورِ الدَّوَاءِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ ، فَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ شُرْبِ الْعَسَلِ ؛ لِاسْتِفْرَاغِهَا ، فَكَانَ كَذَلِكَ وَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالطِّبُّ نَوْعَانِ : طِبُّ الْيُونَانِ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ ، وَطِبُّ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَهُوَ تَجَارُبِيٌّ ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَصِفُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ يَكُونُ عَلِيلًا عَلَى طَرِيقَةِ طِبِّ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمِائَةِ فِي الطِّبِّ : إِنَّ الْعَسَلَ تَارَةً يَجْرِي سَرِيعًا إِلَى الْعُرُوقِ وَيَنْفُذُ مَعَهُ جُلُّ الْغِذَاءِ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ فَيَكُونُ قَابِضًا ، وَتَارَةً يَبْقَى فِي الْمَعِدَةِ فَيُهَيِّجُهَا بِلَذْعِهَا حَتَّى يَدْفَعَ الطَّعَامَ وَيُسَهِّلَ الْبَطْنَ فَيَكُونَ مُسَهِّلًا ، فَإِنْكَارُ وَصْفِهِ للْمُسَهِّلِ مُطْلَقًا قُصُورٌ مِنَ الْمُنْكِرِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : طِبُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَيَقَّنُ الْبُرْءِ لِصُدُورِهِ عَنِ الْوَحْيِ ، وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ أَوْ تَجْرِبَةٌ ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ الشِّفَاءُ عَنْ بَعْضِ مَا يَسْتَعْمِلُ طِبَّ النُّبُوَّةِ وَذَلِكَ لِمَانِعٍ قَامَ بِالْمُسْتَعْمَلِ مِنْ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ ، وَأَظْهَرُ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ شِفَاءُ صَدْرِهِ لِقُصُورِهِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالتَّلَقِّي بِالْقَبُولِ ، بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقَ إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِ وَمَرَضًا إِلَى مَرَضِهِ ، فَطِبُّ النُّبُوَّةِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَبْدَانَ الطَّيِّبَةَ ، كَمَا أَنَّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .
( فَسَقَاهُ فَبَرَأَ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزِ بِوَزْنِ قَرَأَ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَغَيْرِهِمْ يَقُولُهَا بِكَسْرِ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجي فِي آخِرِهِ : " فَسَقَاهُ فَعَافَاهُ اللَّهُ " ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .