حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

بَاب مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

2191 حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ الْبَصْرِيُّ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، نا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاةَ الْعَصْرِ بِنَهَارٍ ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ، فكَانَ فِيمَا قَالَ : إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ : أَلَا لَا تمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ ، قَالَ : فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ ، فَقَالَ : قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا ، وكَانَ فِيمَا قَالَ : أَلَا إِنَّهُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ، وَلَا غَدْرَةَ أَعْظَمُ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامِ عَامَّةٍ ، يُرْكَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ ، وكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا يَوْمَئِذٍ ، أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ الْبَطِيءَ الْغَضَبِ ، سَرِيعَ الْفَيْءِ ، وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ ، أَلَا وَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ ، وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْءِ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ ، وَمِنْهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ السَّيِّئَ الْقَضَاءِ السَّيِّئَ الطَّلَبِ ، أَلَا وَخَيْرُهُمْ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ ، أَلَا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ ، أَلَا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ ، فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ ، قَالَ : وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إِلَى الشَّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ وحُذَيْفَةَ وَأَبِي مَرْيَمَ ، ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ .

بَاب مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

قَوْلُهُ : ( بِنَهَارٍ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَّلَ الْعَصْرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ( ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ) أي وَاعِظًا ( فَلَمْ يَدَعْ ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ ( شَيْئًا ) أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدِّينِ مِمَّا لَا بُدَّ منه ( يَكُونُ ) أَيْ يَقَعُ ذَلِكَ الشَّيْءُ ( إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ) أَيْ سَاعَةَ الْقِيَامَةِ ( حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ) أَيْ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ ( وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ) أَيْ مَنْ أَنْسَاهُ اللَّهُ وَتَرَكَ نَصْرَهُ ( فَكَانَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَانَ ( فِيمَا قَالَ ) أَيْ مِنْ خُطْبَتِهِ وَمَوْعِظَتِهِ ( إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ، أَيْ نَاعِمَةٌ طَرِيَّةٌ مَحْبُوبَةٌ ( حُلْوَةٌ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَذِيذَةٌ حَسَنَةٌ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْخَضِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ النَّاعِمَ خَضِرًا أَوْ لِشَبَهِهَا بِالْخَضْرَوَاتِ فِي ظُهُورِ كَمَالِهَا وَسُرْعَةِ زَوَالِهَا ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهَا تَفْتِنُ النَّاسَ ، بِلَوْنِهَا وَطَعْمِهَا ( وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) أَيْ جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ قَرْنٍ خَلَوْا قَبْلَكُمْ فَيَنْظُرَ تُطِيعُونَهُ أَوْ لَا ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ) أَيِ احْذَرُوا زِيَادَتَهَا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ الْمُعِينَةِ لِلدِّينِ النَّافِعَةِ فِي الْأُخْرَى ( وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ) أَيْ كَيْدَهُنَّ وَمَكْرَهُنَّ ( وَكَانَ فِيمَا قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطْبَتِهِ ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( هَيْبَةُ النَّاسِ ) أَيْ عَظَمَتُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ وَمَخَافَتُهُمْ وَمَهَابَتُهُمْ ( أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ ) أَيْ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ أَوْ يَأْمُرَ بِهِ ( قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا ) أَيْ خِفْنَا مِنْ هَابَهُ يَهَابُهُ أَيْ يَخَافُهُ ، وَالْمَعْنَى مَنَعَتْنَا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهَا ( يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ ) مِنَ الْغَدْرِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ ( لِوَاءٌ ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ عَلِمَ إِعْلَامًا بِسُوءِ حَالِهِ وَقُبْحِ مَآلِهِ ( بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَدْرِ ( وَلَا غَدْرَةَ أَعْظَمَ مِنْ غَدْرَةِ إِمَامٍ عَامَّةٍ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَرَادَ بِهِ الْمُتَغَلِّبَ الَّذِي يَسْتَوْلِي عَلَى أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ بِتَأْمِيرِ الْعَامَّةِ وَمُعَاضَدَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنَ الْخَاصَّةِ ، وَأَهْلِ الْعَقْدِ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ وَمَنْ يَنْضَمُّ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَوِي السَّابِقَةِ وَوُجُوهِ النَّاسِ ( يُرْكَزُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ يُغْرَزُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ ( لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ ) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ مَكْسُورَةٍ ، الْعَجُزُ أَوْ حَلْقَةُ الدُّبُرِ أَيْ يُنْصَبُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ ( خُلِقُوا ) أَيْ جُبِلُوا عَلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمْ مِنِ اخْتِيَارِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ( عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى ) أَيْ مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَأَوْقَاتِهِمَا .

( فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ) أَيْ مِنْ أَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ أَوْ فِي بِلَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ حِينَ يُولَدُ قَبْلَ التَّمْيِيزِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَزَلِ ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ ( يَحْيَى ) أَيْ يَعِيشُ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ مِنْ حِينِ تَمْيِيزِهِ إِلَى انْتِهَاءِ عُمْرِهِ ( مُؤْمِنًا ) أَيْ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا ( وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ) أَيْ وَكَذَلِكَ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ) أَيْ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا وَرَدَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَابِلِيَّةُ قَبُولِ الْهِدَايَةِ لَوْلَا مَانِعٌ مِنْ بَوَاعِثِ الضَّلَالَةِ ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيثُ ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ) فَالْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ ، وَكَأَنَّ التَّقْسِيمَ غَالِبِيٌّ ، وَإِلَّا فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَلَعَلَّ عَدَمَ ذِكْرِهِمَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ وَقَدْ عَلِمْتَ

[3/219]

مِمَّا ذُكِرَ إِجْمَالًا .

( أَلَا ) لِلتَّنْبِيهِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ ( وَإِنَّ مِنْهُمْ ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ ( الْبَطِيءَ الْغَضَبِ ) فَعِيلَ مِنَ الْبُطْءِ مَهْمُوزٌ ، وَقَدْ يُبْدَلُ وَيُدْغَمُ وَهُوَ ضِدُّ السَّرِيعِ ( سَرِيعَ الْفَيْءِ ) أَيْ سَرِيعَ الرُّجُوعِ مِنَ الْغَضَبِ ( وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ ) وَفِي الْمِشْكَاةِ فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى .

قَالَ الْقَارِي : أَيْ إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ مُقَابَلَةٌ بِالْأُخْرَى وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ فَاعِلُهُمَا لِاسْتِوَاءِ الْحَالَتَيْنِ فِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ ، فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ وَلَا شَرُّهُمْ ، انْتَهَى ، وَهَاهُنَا قِسْمٌ رَابِعٌ لَمْ يَذْكُرْهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ ، فَفِي الْمِشْكَاةِ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ ، فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، قَالَ الْقَارِي : وَالتَّقْسِيمُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ رُبَاعِيٌّ لَا خَامِسَ لَهُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ فِيهِ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ وَالدَّنِيَّةِ ، وَأَنَّ كَمَالَهُ أَنْ تَغْلِبَ لَهُ الصِّفَاتُ الْحَمِيدَةُ عَلَى الذَّمِيمَةِ ، لَا أَنَّهَا تَكُونُ مَعْدُومَةً فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَالْعَادِمِينَ ، إِذْ أَصْلُ الْخَلْقِ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ ، وَلِذَا وَرَدَ : وَلَوْ سَمِعْتُمْ أَنَّ جَبَلًا زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ ، وَإِنْ سَمِعْتُمْ أَنَّ رَجُلًا تَغَيَّرَ عَنْ خَلْقِهِ أَيِ الْأَصْلِيِّ فَلَا تُصَدِّقُوهُ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَبْدِيلِ الْأَخْلَاقِ فِي الْجُمْلَةِ دُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ انْتَهَى .

( أَلَا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ الْقَضَاءِ ) أَيْ مُسْتَحْسَنَ الْأَدَاءِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ( حَسَنَ الطَّلَبِ ) أَيْ إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ ( وَمِنْهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ ) أَيْ فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى كَمَا فِي رِوَايَةِ ( وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ فَتِلْكَ بِتِلْكَ ) : وَفِي الْمِشْكَاةِ : مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ ، قَالَ الْقَارِي : بِأَنْ لَمْ يُرَاعِ الْأَدَبَ وَآذَى فِي تَقَاضِيهِ ، وَعَسُرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الطَّلَبِ ( أَلَا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ ) أَيْ حَرَارَةٌ غَرِيزِيَّةٌ ، وَحِدَةٌ جِبِلِّيَّةٌ مُشْعِلَةٌ جَمْرَةَ نَارٍ مَكْمُونَةٍ فِي كَانُونِ النَّفْسِ ( إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ ) كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ فِي أَثَرِ الْحُمَّى ( وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ ) ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْأَوْدَاجُ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ مِنَ الْعُرُوقِ الَّتِي يَقْطَعُهَا الذَّابِحُ وَاحِدُهَا وَدَجٌ بِالتَّحْرِيكِ ، وَقِيلَ الْوَدَجَانِ هُمَا عِرْقَانِ غَلِيظَانِ عَنْ جَانِبَيْ ثُغْرَةِ النَّحْرِ انْتَهَى ، ( فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ أَدْرَكَ ظُهُورَ أَثَرٍ مِنْهُ أَوْ مَنْ عَلِمَ فِي بَاطِنِهِ شَيْئًا مِنْهُ ( فَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ ) مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ أَيْ فَلْيَلْتَزِقْ بِهَا حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُهُ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعَةِ عَنِ الِاسْتِعْلَاءِ ، وَتَذْكَارِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ التُّرَابِ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَكَبَّرَ ( وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا ) أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا مَضَى مِنْهَا ( إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ ) يَعْنِي نِسْبَةُ مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِلَى جُمْلَةِ مَا مَضَى كَنِسْبَةِ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى مَا مَضَى مِنْهُ ، وَقَوْلُهُ إِلَّا كَمَا بَقِيَ مُسْتَثْنًى مِنْ فَاعِلِ لَمْ يَبْقَ أَيْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) فِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ صَدُوقٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي مَرْيَمَ إِلَخْ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْفِتَنِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حذيفة فأخرجه البخاري في القدر ، ومسلم في الفتن ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبِي مَرْيَمَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث