بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ
بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ
2194 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، قَالَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي ، قَالَ : كُنْ كَابْنِ آدَمَ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَأَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي وَاقِدٍ وَأَبِي مُوسَى وَخَرَشَةَ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ليْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَزَادَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلًا . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ .
بَاب مَا جَاءَ أَنَّهُ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ
قَوْلُهُ : ( نا اللَّيْثُ ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ ( عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ ) الْقِتْبَانِيِّ الْمِصْرِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ) أَيْ عَظِيمَةٌ ( الْقَاعِدُ فِيهَا ) أَيْ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ ( خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ) لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْقَاعِدُ ، فَيَكُونُ أَقْرَبَ مِنْ عَذَابِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ بِمُشَاهَدَتِهِ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْقَاعِدُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَاعِدِ هُوَ الثَّابِتُ فِي مَكَانِهِ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لِمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي زَمَانِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ مَا يَكُونُ فِيهِ نَوْعُ بَاعِثٍ وَدَاعِيَّةٍ ، لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ ( للْقَائِمُ ) فِي الْفِتْنَةِ أَيْ مِنْ بَعِيدٍ مُتشْرِفٌ عَلَيْهَا أَوِ الْقَائِمُ بِمَكَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ( خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي ) أَيْ مِنَ الذَّاهِبِ عَلَى رِجْلِهِ إِلَيْهَا ( وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) أَيِ الْمُسْرِعِ إِلَيْهَا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا .
قَالَ الْحَافِظُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ) أَيِ الْقَاعِدُ فِي زَمَانِهَا عَنْهَا .
قَالَ : والْمُرَادُ بِالْقَائِمِ الَّذِي لَا يَسْتَشْرِفُهَا ، وَبِالْمَاشِي مَنْ يَمْشِي فِي أَسْبَابِهِ لِأَمْرٍ سِوَاهَا فَرُبَّمَا يَقَعُ بِسَبَبِ مَشْيِهِ فِي أَمْرٍ يَكْرَهُهُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، يَعْنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَعْلَاهُمْ فِي ذَلِكَ السَّاعِي فِيهَا بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثَارَتِهَا ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ قَائِمًا بِأَسْبَابِهَا وَهُوَ الْمَاشِي ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا وَهُوَ الْقَائِمُ ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النِّظَارَةِ وَلَا يُقَاتِلُ وَهُوَ الْقَاعِدُ ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا لَهَا وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَنْظُرُ وَهُوَ الْمُضْطَجِعُ الْيَقْظَانُ ، ثُمَّ مَنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ رَاضٍ وَهُوَ النَّائِمُ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ ، انْتَهَى .
( قَالَ ) أَيْ سَعْدٌ ( أَفَرَأَيْتَ ) أَيْ فَأَخْبِرْنِي ( إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( وَبَسَطَ يَدَهُ ) أَيْ مَدَّهَا ( كُنْ كَابْنِ آدَمَ ) الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أَنَّ هَابِيلَ الْمَقْتُولَ الْمَظْلُومَ هُوَ ابْنُ آدَمَ لَا قَابِيلُ الْقَاتِلُ الظَّالِمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقَاتَلُ فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ ، وَطَلَبُوا قَتْلَهُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُدَافَعَةُ عَنْ نَفْسِهِ ; لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَأَوِّلٌ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرُهُمَا : لَا يَدْخُلُ فِيهَا لَكِنْ إِنْ قَصَدَ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ فِتَنِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ : يَجِبُ نَصْرُ الْمُحِقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي الْآيَةَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَتُتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْمُحِقُّ أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيلَ لِوَاحِدة مِنْهُمَا .
وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ انْتَهَى ، قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي وَاقِدٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَخَرْشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبُو مُوسَى فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَرَشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ .