بَاب مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنٌة كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . بَاب مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنة كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( بَادِرُوا ) أَيْ سَابِقُوا وَسَارِعُوا ( بِالْأَعْمَالِ ) أَيْ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ( فِتَنًا ) أَيْ وُقُوعَ فِتَنٍ ( كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ جَمْعُ قِطْعَةٍ وَهِيَ طَائِفَةٌ ، وَالْمَعْنَى كَقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لِفَرْطِ سَوَادِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ فِيهَا ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى تَعَجَّلُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْفِتَنِ الْمُظْلِمَةِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ، فَإِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَ الْأَعْمَالَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِيهَا ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّشْبِيهِ بَيَانُ حَالِ الْفِتَنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَشِيعٌ فَظِيعٌ ، وَلَا يُعْرَفُ سَبَبُهَا وَلَا طَرِيقُ الْخَلَاصِ مِنْهَا ، فَالْمُبَادَرَةُ الْمُسَارَعَةُ بِإِدْرَاكِ الشَّيْءِ قَبْلَ فَوَاتِهِ أَوْ بِدَفْعِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ( يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ) أَيْ مَوْصُوفًا بِأَصْلِ الْإِيمَانِ أَوْ بِكَمَالِهِ ( وَيُمْسِي كَافِرًا ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ كَافِرًا لِلنِّعْمَةِ أَوْ مُشَابِهًا لِلْكَفَرَةِ أَوْ عَامِلًا عَمَلَ الْكَافِرِ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى يُصْبِحُ مُحَرِّمًا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا إِيَّاهُ وَبِالْعَكْسِ .
قُلْتُ : وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ اخْتَارَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ( يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ ) أَيْ بِتَرْكِهِ ( بِعَرَضٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ بِأَخْذِ مَتَاعٍ دَنِيءٍ وَثَمَنٍ رَدِيءٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُهُ يُصْبِحُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِحَالِ الْمُشَبَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِتَنًا ، وَقَوْلُهُ يَبِيعُ إِلَخْ بَيَانٌ لِلْبَيَانِ . وَقَالَ الْمُظْهِرُ : فِيهِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالٌ لِمُجَرَّدِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْغَضَبِ ، فَيَسْتَحِلُّونَ الدَّمَ وَالْمَالَ . وثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ ظَلَمَةً ، فَيُرِيقُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَيَزْنُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، فَيَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَيُفْتِيهِمْ بَعْضُ عُلَمَاءِ السُّوءِ ، عَلَى جَوَازِ مَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، مِنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا .
وَثَالِثُهَا مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُبَايَعَاتِ وَغَيْرِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .