بَاب مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنٌة كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ ) بْنِ سُوَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ لَقَبُهُ الشَّاهُ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْحَارِثِ ) الْفِرَاسِيَّةِ وَيُقَالُ الْقُرَشِيَّةِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ فَزِعًا ( فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ) بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ لَازِمِ الْحَذْفِ ، قَالَهُ تَعَجُّبًا وَاسْتِعْظَامًا ( مَاذَا ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ ( أُنْزِلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِإِظْهَارِ الْفَاعِلِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِالْأَمْرِ الْمَقْدُورِ ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْحَى إِلَيْهِ فِي نَوْمِهِ ذَاكَ بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ ؟ ) عَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتْنَةِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ ، قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ ( مَنْ يُوقِظُ ) اسْتِفْهَامٌ أَيْ : هَلْ أَحَدٌ يُوقِظُ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَنْ يُوقِظُ ـ بَعْضَ خَدَمِهِ كَمَا قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ؟ وَأَرَادَ أَصْحَابَهُ ، لَكِنْ هُنَاكَ عُرِفَ الَّذِي انْتُدِبَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُنَا لَمْ يَذْكُرْ . ( صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ؟ ) جَمْعُ حُجْرَةٍ ، قَالَ فِي الصُّرَاحِ : حُجْرَةٌ حَظِيرَةٌ شتروخانة خورد ، وَالْجَمْعُ حُجَرٌ ، مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٌ ، وَحُجُرَاتٌ بِضَمِّ الْجِيمِ ، انْتَهَى - يَعْنِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَوَاحِبِ الْحُجُرَاتِ أَزْوَاجَهُ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ أَوْ مِنْ بَابِ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ( يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ ) قِيلَ الْمُنَادَى فِيهِ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ يَا سَامِعِينَ ، وَرُبَّ لِلتَّكْثِيرِ ( عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ ) قَالَ عِيَاضٌ : الْأَكْثَرُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْوَصْفِ لِلْمَجْرُورِ بِرُبَّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْأَوْلَى الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ ، أَيْ هِيَ عَارِيَةٌ ، وَالْفِعْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْأَحْسَنُ الْخَفْضُ عَلَى النَّعْتِ لِأَنَّ رُبَّ حَرْفُ جَرٍّ يَلْزَمُ صَدْرَ الْكَلَامِ ، وَهَذَا رَأْيُ سِيبَوَيْهِ ، وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ هُوَ اسْمٌ مُبْتَدَأٌ وَالْمَرْفُوعُ خَبَرُهُ ، وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَبُ بَعْضُ شُيُوخِنَا ، انْتَهَى ، وَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ إِلَى مُوجِبِ اسْتِيقَاظِ أَزْوَاجِهِ ، أَيْ يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَغَافَلْنَ عَنِ الْعِبَادَةِ وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنِهِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ كَاسِيَةٍ وَعَارِيَةٍ عَلَى أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا بِالثِّيَابِ لِوُجُودِ الْغِنَى ، عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا .
ثَانِيهَا : كَاسِيَةٍ بِالثِّيَابِ لَكِنَّهَا شَفَّافَةٌ لَا تَسْتُرُ عَوْرَتَهَا فَتُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ بِالْعُرْيِ جَزَاءً عَلَى ذَلِكَ . ثَالِثُهَا : كَاسِيَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ ، عَارِيَةٌ مِنَ الشَّكْلِ الَّذِي تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ . رَابِعُهَا : كَاسِيَةٍ جَسَدَهَا لَكِنَّهَا تَشُدُّ خِمَارَهَا مِنْ وَرَائِهَا فَيَبْدُو صَدْرُهَا فَتَصِيرُ عَارِيَةً ، فَتُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ .
خَامِسُهَا : كَاسِيَةٍ مِنْ خِلْعَةِ التَّزَوُّجِ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ ، عَارِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَمَلِ ، فَلَا يَنْفَعُهَا صَلَاحُ زَوْجِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ذَكَرَ هَذَا الْأَخِيرَ الطِّيبِيُّ وَرَجَّحَهُ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ ، وَاللَّفْظَةُ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الْمَفْتُوحَ فِي الْخَزَائِنِ تَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةُ الْمَالِ بِأَنْ يُتَنَافَسَ فِيهِ فَيَقَعَ الْقِتَالُ بِسَبَبِهِ وَأَنْ يَبْخَلَ بِهِ فَيَمْنَعَ الْحَقَّ ، أَوْ يَبْطَرَ فَيُسْرِفَ ، فَأَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْذِيرَ أَزْوَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَكَذَا غَيْرَهُنَّ مِمَّنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ لِرَجَاءِ وَقْتِ الْإِجَابَةِ لِتُكْشَفَ أَوْ يَسْلَمَ الدَّاعِي ، وَمَنْ دَعَا لَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ .