بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ
2214 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ . وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ، فَمَا فَضل إِحْدَيهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ! .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي إعْرَابِ الْمُسْنَدِ : السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ وَالْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ ، قَالَ : وَلَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بُعِثَتِ السَّاعَةُ وَلَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ الْوَجْهَيْنِ بَلْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الرَّفْعَ أَحْسَنُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْمَجْهُولِ فِي بُعِثْتُ ، قَالَ : وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَذَكَرَ نَحْوَ تَوْجِيهِ أَبِي الْبَقَاءِ ، وَزَادَ أَوْ عَلَى ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ نَحْوُ فَانْتَظِرُوا كَمَا قُدِّرَ فِي نَحْوِ : جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةُ فَاسْتَعَدُّوا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْجَوَابُ عَنِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ أَوَّلًا أَنْ يُضَمِّنَ " بُعِثْتُ " مَعْنًى يَجْمَعُ إِرْسَالَ الرَّسُولِ وَمَجِيءَ السَّاعَةِ نَحْوَ جِئْتُ ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ مَجِيئِهَا ، انْتَهَى .
( كَهَاتَيْنِ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَشَارَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى قِلَّةِ الْمُدَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَالتَّفَاوُتُ إِمَّا فِي الْمُجَاوَرَةِ وَإِمَّا فِي قَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ : كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الَّذِي يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَقَامَتِ السَّاعَةُ لِاتِّصَالِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ بِالْأُخْرَى ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ كَهَاتَيْنِ ، فَقِيلَ : كَمَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَبِيٌّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : حَاصِلُ الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ وَسُرْعَةُ مَجِيئِهَا ، قَالَ : وَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يكَوْنِ التَّشْبِيهِ وَقَعَ بِالِانْضِمَامِ ، وَعَلَى الرَّفْعِ وَقَعَ بِالتَّفَاوُتِ ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ تَقَدُّمِ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، كَنِسْبَةِ فَضْلِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى ، وَقِيلَ الْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ دَعْوَتِهِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ، كَمَا أَنَّ الْأُصْبُعَيْنِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ،
وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ نَبِيٌّ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى أُصْبُعٌ أُخْرَى ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ وَقْتِهَا بِعَيْنِهِ ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ يُفِيدُ قُرْبَهَا وَأَنَّ أَشْرَاطَهَا مُتَتَابِعَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا قَالَ الضَّحَّاكُ : أَوَّلُ أَشْرَاطِهَا بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِ الْأَشْرَاطِ إِيقَاظُ الْغَافِلِينَ وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .
( فَمَا فَضْلُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ) أَيْ فِي الطُّولِ وَالْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا فَصلٌ يَسِيرٌ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ شُعْبَةُ : وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ : كَفَضْلِ إِحْدَيْهِمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْفُوعَةً فِي حَدِيثِ أَبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ الطَّبَرِيِّ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ .