بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
2373 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ قُرَيْشٍ الْيَامِيُّ الْكُوفِيُّ ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
( باب ما جاء أن الغنى غنى النفس )
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ قُرَيْشٍ الْيَامِيُّ ) بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَبُو جَعْفَرٍ قَاضِي الْكُوفَةِ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، ( عَنْ أَبِي حَصِينٍ ) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) هُوَ السَّمَّانُ .
قَوْلُهُ : ( لَيْسَ الْغِنَى ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَقْصُودٌ أَيِ الْحَقِيقِيُّ الْمُعْتَبَرُ النَّافِعُ ( عَنْ كَثْرَةِ
الْعَرَضِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ . قَالَ الْحَافِظُ : أَمَّا عَنْ فَهِيَ سَبَبِيَّةٌ وَأَمَّا الْعَرَضُ فَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ، وَيُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْجَوْهَرَ وَعَلَى كُلِّ مَا يَعْرِضُ لِلشَّخْصِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْعُرُوضُ الْأَمْتِعَةُ ، وَهِيَ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ ، وَمَا لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ .
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ ، وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ . وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُصِيبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَقَالَ : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ( وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ حَقِيقَةُ الْغِنَى كَثْرَةَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ فَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِازْدِيَادِ وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ ، فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ، وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنَعَ بِهِ وَرَضِيَ ، وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ ، وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَتْ عَلَى الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ ، وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحُظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ لِحِرْصِهِ ، فَإِنَّهُ يُوَرِّطُهُ فِي رَذَائِلِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِ الْأَفْعَالِ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَبُخْلِهِ ، وَيَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنَ النَّاسِ وَيَصْغُرُ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ ، فَيَكُونُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ ، وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِغِنَى النَّفْسِ يَكُونُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ لَا يَحْرِصُ عَلَى الِازْدِيَادِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلَا يُلِحُّ فِي الطَّلَبِ وَلَا يُلْحِفُ فِي السُّؤَالِ ، بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ ، فَكَأَنَّهُ وَاجِدٌ أَبَدًا . وَالْمُتَّصِفُ بِفَقْرِ النَّفْسِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ ، بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ . ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ حَزِنَ وَأَسِفَ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا أُعْطِيَ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ . ثُمَّ غِنَى النَّفْسِ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ ، عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ، فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الْحِرْصِ وَالطَّلَبِ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ القَائِلٍ :
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ .