بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْمَالِ بِحَقِّهِ
بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْمَالِ بِحَقِّهِ
2374 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَال : سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ اسْمُهُ عُبَيْدُ سَنُطا . .
( بَاب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْمَالِ بِحَقِّهِ )
قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ) بْنِ فِهْرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهَا : رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ الْحَدِيثَ . وَعَنْهَا أَبُو الْوَلِيدِ سَنُوطًا وَغَيْرُهُ . قَالَ عُبَيْدٌ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ مُحَمَّدٍ وَكَانَتْ عِنْدَ حَمْزَةَ ، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( خَضِرَةٌ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ( حُلْوَةٌ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : مَعْنَاهُ أَنَّ صُورَةَ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ مُونِقَةٌ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ مُشْرِقٍ نَاضِرٍ أَخْضَرَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَوْلُهُ : ( الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ) لَيْسَ هُوَ صِفَةَ الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّشْبِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ : الْمَالُ كَالْبَقْلَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ ، وَالتَّاءُ فِي قَوْلِهِ خَضِرَةٌ وَحُلْوَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْمَالُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ، أَوْ عَلَى مَعْنَى فَائِدَةِ الْمَالِ : أَيْ أَنَّ الْحَيَاةَ بِهِ ، أَوِ الْعِيشَةَ ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أبي سعيد أَيْضًا الْمُخَرَّجِ فِي السُّنَنِ : الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَيَتَوَافَقُ الْحَدِيثَانِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّاءُ فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ ( مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ ) أَيْ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنَ الْحَلَالِ ، ( وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ ) : أَيْ مُتَسَارِعٍ وَمُتَصَرِّفٍ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَصْلُ الْخَوْضِ الْمَشْيُ فِي الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي التَّلْبِيسِ بِالْأَمْرِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ : أَيْ رُبَّ مُتَصَرِّفٍ فِي مَالِ اللَّهِ بِمَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ : أَيْ يَتَصَرَّفُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيَسْتَبِدُّونَ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ ، وَقِيلَ : هُوَ التَّخْلِيطُ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كَيْفَ أَمْكَنَ ، انْتَهَى .
( فِيمَا شَاءَتْ نَفْسُهُ ) : أَيْ فِيمَا أَحَبَّتْهُ وَالْتَذَّتْ بِهِ ( لَيْسَ لَهُ ) : أَيْ جَزَاءٌ ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ ) : أَيْ دُخُولُ جَهَنَّمَ ، وَهُوَ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَهُوَ الْخَوْضُ فِي مَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ مُشْعِرًا بِالْعِلِّيَّةِ ، وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ ، وَذَمِّ السُّؤَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ . قَالَ الْغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : مَثَلُ الْمَالِ مَثَلُ الْحَيَّةِ الَّتِي فِيهَا تِرْيَاقٌ نَافِعٌ ، وَسُمٌّ نَاقِعٌ ، فَإِنْ أَصَابَهَا الْعَارِفُ الَّذِي يَحْتَرِزُ عَنْ شَرِّهَا ، وَيَعْرِفُ اسْتِخْرَاجَ تِرْيَاقِهَا كَانَ نِعْمَةً ، وَإِنْ أَصَابَهَا الْغَبِيُّ فَقَدْ لَقِيَ الْبَلَاءَ الْمُهْلِكَ ، انْتَهَى .
وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ عَارِفٌ : إِنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ فَكُلُّ مَنْ يعرف رقيتها يَجُوزُ لَهُ أَخَذَهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، فَقِيلَ : وَمَا رُقْيَتُهَا ؟ فَقَالَ : أَنْ يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَأْخُذُهَا ، وَفِي أَيْنَ يَصْرِفُهَا .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .
قَوْلُهُ : ( وَأَبُو الْوَلِيدِ اسْمُهُ عُبَيْدٌ سَنُطَا ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَنُوطَا . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَسَنُوطَى كَهَيُولَى لَقَبُ عُبَيْدٍ الْمُحَدِّثِ أَوِ اسْمُ وَالِدِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عُبَيْدٌ سَنُوطَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ النُّونِ ، وَيُقَالُ : ابْنُ سَنُوطَا أَبُو الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ مِنَ الثَّالِثَةِ ، انْتَهَى .