بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
2381 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ وقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ جُنْدَبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الرِّيَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمَدِّ ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيَحْمَدُوا صَاحِبَهَا ، وَالسُّمْعَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ سَمِعَ ، وَالْمُرَادُ بِهَا نَحْوُ مَا فِي الرِّيَاءِ ، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ ، وَالرِّيَاءُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : الرِّيَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، وَالسُّمْعَةُ مِنَ السَّمَاعِ ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ أَصْلُهُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِإِرَائِهِمُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ . فَحَدُّ الرِّيَاءِ هُوَ إِرَاءَةُ الْعِبَادَةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْمُرَائِي هُوَ الْعَابِدُ وَالْمُرَاءَى لَهُ هُوَ النَّاسُ ، وَالْمُرَاءَى بِهِ هُوَ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ . وَالرِّيَاءُ هُوَ قَصْدُ إِظْهَارِ ذَلِكَ .
( مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ ) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ عَلَى أَنَّ " مَنْ " مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَالْمَعْنَى : مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لِيَرَاهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا يُجَازِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنْ يُظْهِرَ رِيَاءَهُ عَلَى الْخَلْقِ ( وَمَنْ يُسَمِّعْ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ : أَيْ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِلسُّمْعَةِ بِأَنْ نَوَّهَ بِعَمَلِهِ وَشَهَرَهُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ وَيَمْتَدِحُوهُ ( يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْضًا : أَيْ شَهَرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَصَاتِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوسِ الْأَشْهَادِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْرِ إِخْلَاصٍ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشْهِرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ .
وَقِيلَ : مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَ النَّاسِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ حَدِيثًا عِنْدَ النَّاسِ الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ . وَمَعْنَى يُرَائِي بِهِ يُطْلِعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا إِلَى قَوْلِهِ : مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسُ وَيَرَوْهُ ؛ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُو مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ ، وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ عَلَى عَمَلِهِ ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَنْ سَمِعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ( مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ رَحْمَةِ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جُنْدُبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) ، أَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ مَسَامِعَ خَلْقِهِ وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا صَحِيحٌ وَالْبَيْهَقِيُّ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ .