بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِرِّ وَالْإِثْمِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ ، نَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابٍ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ الناس عليه . حَدَّثَنَا بندار ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عن عبد الرحمن ، نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِرِّ وَالْإِثْمِ قَوْلُهُ : ( عَنِ النَّوَّاسِ ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ( ابْنِ سَمْعَانَ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا ابْنِ خَالِدٍ الْكِلَابِيِّ أَوِ الْأَنْصَارِيِّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ سَكَنَ الشَّامَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : الْبِرُّ ) أَيْ أَعْظَمُ خِصَالِهِ أَوِ الْبِرُّ كُلُّهُ مُجْمَلًا ( حُسْنُ الْخُلُقِ ) أَيْ مَعَ الْخُلُقِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالْمَبَرَّةِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ ، وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ مَجَامِعُ حُسْنِ الْخُلُقِ .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ : فَسَّرَ الْبِرَّ فِي الْحَدِيثِ بِمَعَانٍ شَتَّى ، فَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ بِمَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَفَسَّرَهُ فِي مَوْضِعٍ بِالْإِيمَانِ ، وَفِي مَوْضِعٍ بِمَا يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّهِ ، وَهُنَا بِحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَفَسَّرَ حُسْنَ الْخُلُقِ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَقِلَّةِ الْغَضَبِ وَبَسْطِ الْوَجْهِ وَطِيبِ الْكَلَامِ ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى ( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ ) أَيْ تَحَرَّكَ فِيهَا وَتَرَدَّدَ ، وَلَم يَنْشَرِحَ لَهُ الصَّدْرُ ، وَحَصَلَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ الشَّكُّ ، وَخَوْفُ كَوْنِهِ ذَنْبًا . وَقِيلَ : يَعْنِي الْإِثْمَ مَا أَثَّرَ قُبْحُهُ فِي قَلْبِكَ أَوْ تَرَدَّدَ فِي قَلْبِكَ ، وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُظْهِرَهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : ( وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ) أَيْ أَعْيَانُهُمْ وَأَمَاثِلُهُمْ ، إِذِ الْجِنْسُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِهَا تُحِبُّ اطِّلَاعَ النَّاسِ عَلَى خَيْرِهَا ، فَإِذَا كَرِهَتِ الِاطِّلَاعَ عَلَى بَعْضِ أَفْعَالِهَا فَهُوَ غَيْرُ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ ، أَوْ غَيْرُ مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا بِرَّ فَهُوَ إِذًا إِثْمٌ وَشَرٌّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَمُسْلِمٌ فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ .