حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ

بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ

2536 حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، لَا يَبْصُقُونَ ، وَلَا يَمْتخطُونَ ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا من الذَّهَبُ ، وَأَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنْ الْأُلُوَّةِ ، وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ ، قُلُوبُهُمْ قَلْبُ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا .

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .

باب ما جاء في صفة أهل الجنة

قَوْلُهُ : ( تَلِجُ الْجَنَّةَ ) مِنَ الْوُلُوجِ أَيْ تَدْخُلُ ( صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ) أي فِي الْإِضَاءَةِ ( لَا يَبْصُقُونَ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْبُصَاقُ كَغُرَابٍ ، وَالْبِسَاقُ وَالْبُزَاقُ مَاءُ الْفَمِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ ، وَمَا دَامَ فِيهِ فَهُوَ رِيقٌ ، وَبَصَقَ بَزَقَ ، انْتَهَى .

( وَلَا يَمْتَخِطُونَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَلَا يَتَمَخَّطُونَ : أَيْ لَيْسَ فِي أَنْفِهِمْ مِنَ الْمِيَاهِ الزَّائِدَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ لِيَحْتَاجُوا إِلَى إِخْرَاجِهَا ، وَلِأَنَّ الْجَنَّةَ مَسَاكِنُ طَيِّبَةٌ لِلطَّيِّبِينَ ، فَلَا يُلَائِمُهَا الْأَدْنَاسُ وَالْأَنْجَاسُ .

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَمَّا كَانَتْ أَغْذِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ وَالِاعْتِدَالِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى وَلَا فَضْلَةٌ تُسْتَقْذَرُ ، بَلْ يَتَوَلَّدُ عَنْ تِلْكَ الْأَغْذِيَةِ أَطْيَبُ رِيحٍ وَأَحْسَنُهُ .

( آنِيَتُهُمْ فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) .

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : آنِيَتُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ .

قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصِّنْفَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ لِبَعْضِهِمْ وَالْآخَرُ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ ، وَيُؤَيِّدُ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا : ( جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ) الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : ( إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ دَرَجَةً لَمَنْ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلَافِ خَادِمٍ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ صَحْفَتَانِ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَالْأُخْرَى مِنْ فِضَّةٍ ) الْحَدِيثَ ، انْتَهَى . وَالْأَمْشَاطُ جَمْعُ مُشْطٍ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَالْأَفْصَحُ ضَمُّهَا : آلَةٌ يُمْتَشَطُ بِهَا .

( وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الْأَلُوَّةِ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ وَمُجْمَرٍ ، فَالْمِجْمَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ النَّارُ لِلْبَخُورِ ، وَالْمُجْمَرُ بِالضَّمِّ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ ، وَأُعِدَّ لَهُ الْجَمْرُ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ إِنَّ بَخُورَهُمْ بِالْأَلُوَّةِ وَهُوَ الْعُودُ ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الْأَلُوَّةُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ : الْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ ؛ أَيْ : مَا يُوقَدُ بِهِ مَبَاخِرُهُمْ ، الْأَلُوَّةُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ .

وَحَكَى ابْنُ التِّينِ كَسْرَ الْهَمْزَةِ ، وَتَخْفِيفَ الْوَاوِ ، وَالْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةٌ ، وَقِيلَ : زَائِدَةٌ .

قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ رَائِحَةَ الْعُودِ إِنَّمَا تَفُوحُ بِوَضْعِهِ فِي النَّارِ ، وَالْجَنَّةُ لَا نَارَ فِيهَا ، وَيُجابُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْتَعِلَ بِغَيْرِ نَارٍ بَلْ بِقَوْلِهِ كُنْ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مِجْمَرَةً بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَعِلَ بِنَارٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا وَلَا إِحْرَاقَ ، أَوْ يَفُوحَ بِغَيْرِ اشْتِعَالٍ .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَدْ يُقَالُ أَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ إِلَى الْمُشْطِ وَهُمْ مُرْدٌ ، وَشُعُورُهُمْ ولَا تَتَّسِخُ ، وَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ إِلَى الْبَخُورِ وَرِيحُهُمْ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ ، قَالَ : وَيُجَابُ بِأَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكِسْوَةٍ وَطِيبٍ لَيْسَ عَنْ أَلَمِ جُوعٍ أَوْ ظَمَأٍ أَوْ عُرْيٍ أَوْ نَتْنٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّاتٌ مُتَتَالِيَةٌ وَنِعَمٌ مُتَوَالِيَةٌ ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنَعَّمُونَ بِنَوْعِ مَا كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَنَعُّمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى هَيْئَةِ تَنَعُّمِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، إِلَّا مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاضُلِ فِي اللَّذَّةِ . وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ نَعِيمَهُمْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .

( وَرَشْحُهُمْ ) أَيْ عَرَقُهُمْ ( الْمِسْكُ ) أَيْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ . وَالْمَعْنَى رَائِحَةُ عَرَقِهِمْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ

[3/328]

بَلِيغٌ .

( وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَلِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لِلتَّكْرِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَنَّ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي بَابِ صِفَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ( مِنَ الْحُسْنِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : هُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا مِنْ تَوَهُّمِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ مِمَّا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ ، وَالْحُسْنُ هُوَ الصَّفَاءُ وَرِقَّةُ الْبَشَرَةِ وَنُعُومَةُ الْأَعْضَاءِ ( لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ ) قَالَ تَعَالَى : ﴿وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( قُلُوبُهُمْ قَلْبُ رَجُلٍ وَاحِدٍ ) أَيْ فِي الِاتِّفَاقِ وَالْمَحَبَّةِ ( يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ قَدْرَهُمَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا التَّسْبِيحُ لَيْسَ عَنْ تَكْلِيفٍ وَإِلْزَامٍ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ : يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ تَنَفُّسَ الْإِنْسَانِ لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، فَجُعِلَ تَنَفُّسُهُمْ تَسْبِيحًا وَسَبَبُهُ أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَنَوَّرَتْ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ ، وَامْتَلَأَتْ بِحُبِّهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ : أَنَّ تَحْتَ الْعَرْشِ سِتَارَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِيهِ ، ثُمَّ تُطْوَى ، فَإِذَا نُشِرَتْ كَانَتْ عَلَامَةَ الْبُكُورِ ، وَإِذَا طُوِيَتْ كَانَتْ عَلَامَةَ الْعَشِيِّ . انْتَهَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله : يُرَادُ بِهِمَا الدَّيْمُومَةُ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : أَنَا عِنْدَ فُلَانٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، لَا تقْصِدُ الْوَقْتَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ بَلِ الدَّيْمُومَةَ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث