حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ

2557 حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، نَا أَبِي ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ .

هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِثْلُ هَذَا مَا يُذْكَرُ فِيهِ أَمْرُ الرُّؤْيَةِ : أَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ ، وَذِكْرُ الْقَدَمِ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ، وَالْمَذْهَبُ فِي هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وسفيان بن عيينة ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، ، وَوَكِيعٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ رَوَوْا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وقَالُوا : تُرْوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ، وَنُؤْمِنُ بِهَا ، وَلَا يُقَالُ كَيْفَ ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنْ يرووا هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كَمَا جَاءَتْ ، وَيُؤْمَنُ بِهَا ، وَلَا تُفَسَّرُ ، وَلَا يتَوَهَّمُ ، وَلَا يُقَالُ كَيْفَ ، وَهَذَا أَمْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِي اخْتَارُوهُ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ يَعْنِي يَتَجَلَّى لَهُمْ .

قَوْلُهُ : ( كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْمَوْتِ هَكَذَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمُ الْفِدَاءُ بِهِ ، كَمَا فُدِيَ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَبْشِ ، وَفِي الْأَمْلَحِ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَتَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَحَ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ لِكَوْنِهِ يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ ، وَالْعَرَضُ لَا يَنْقَلِبُ جِسْمًا ، فَكَيْفَ يُذْبَحُ ؟ ! ، فَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَدَفَعَتْهُ وَتَأَوَّلَتْهُ طَائِفَةٌ فَقَالُوا : هَذَا تَمْثِيلٌ ، وَلَا ذَبْحَ هُنَاكَ حَقِيقَةً ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلِ الذَّبْحُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَالْمَذْبُوحُ مُتَوَلِّي الْمَوْتِ ، وَكُلُّهُمْ يَعْرِفُهُ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ . وَقَالَ الْمَازَرِيُّ : الْمَوْتُ عِنْدَنَا عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِمَعْنًى ، بَلْ مَعْنَاهُ عَدَمُ الْحَيَاةِ ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ فَأَثْبَتَ الْمَوْتَ مَخْلُوقًا ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَبْشًا وَلَا جِسْمًا ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا

[3/337]

الْجِسْمَ ، ثُمَّ يُذْبَحُ ، ثُمَّ يُجْعَلُ مِثَالًا ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَطْرَأُ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : الْمَوْتُ مَعْنًى ، وَالْمَعَانِي لَا تَنْقَلِبُ جَوْهَرًا ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ أَشْخَاصًا مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ ، وَكَذَا الْمَوْتُ يَخْلُقُ اللَّهُ كَبْشًا يُسَمِّيهِ الْمَوْتَ وَيُلْقِي فِي قُلُوبِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَوْتَ ، يَكُونُ ذَبْحُهُ دَلِيلًا عَلَى الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا مَانِعَ أَنْ يُنْشِئَ اللَّهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ أَجْسَادًا يَجْعَلُهَا مَادَّةً لَهَا ، كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ ، فِي حَدِيثِ أَنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَجِيئَانِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : هَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ .

قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَمْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِي اخْتَارُوهُ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ ) وَهُوَ الْحَقُّ وَالثوَابُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ : فَضْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَبْوَابِ الزَّكَاةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث