حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ

بَاب مَا جَاءَ فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ

2556 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، فَيَقُولُ : أَلَا يَتْبَعُ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ ، وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ ، وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ ، فَيَتْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ ، فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ : أَلَا تَتَّبِعُونَ النَّاسَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، اللَّهُ رَبُّنَا ، وهَذَا مَكَانُنَا حَتَّى نَرَى رَبَّنَا ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيُثَبِّتُهُمْ ، ثُمَّ يَتَوَارَى ، ثُمَّ يَطَّلِعُ ، فَيَقُولُ : أَلَا تَتَّبِعُونَ النَّاسَ ، فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، اللَّهُ رَبُّنَا ، وَهَذَا مَكَانُنَا حَتَّى نَرَى رَبَّنَا ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيُثَبِّتُهُمْ . قَالُوا : وَهَلْ نَرَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ؟ قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ تِلْكَ السَّاعَةَ ، ثُمَّ يَتَوَارَى ، ثُمَّ يَطَّلِعُ ، فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّبِعُونِي ، فَيَقُومُ الْمُسْلِمُونَ ، وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ ، فَيَمُرُّ عَلَيْهِ مِثْلَ جِيَادِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَقَوْلُهُمْ عَلَيْهِ : سَلِّمْ سَلِّمْ ، وَيَبْقَى أَهْلُ النَّارِ ، فَيُطْرَحُ مِنْهُمْ فِيهَا فَوْجٌ ، فيُقَالُ : هَلْ امْتَلَأْتِ ؟ فَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، ثُمَّ يُطْرَحُ فِيهَا فَوْجٌ ، فَيُقَالُ : هَلْ امْتَلَأْتِ ؟ فَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، حَتَّى إِذَا أُوعِبُوا فِيهَا وَضَعَ الرَّحْمَنُ قَدَمَهُ فِيهَا ، وَأَزْوَى بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ قَالَ : قَطْ . قَالَتْ : قَطْ قَطْ ، فَإِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ تعالى أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ ، أُتِيَ بِالْمَوْتِ مُلَبَّبًا ، فَيُوقَفُ عَلَى السُّورِ الذي بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَهْلَ النَّارِ ، فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَةَ ، فَيُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَلأَهْلِ النَّارِ : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ : قَدْ عَرَفْنَاهُ ، هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِنَا ، فَيُضْجَعُ ، فَيُذْبَحُ ذَبْحًا عَلَى السُّورِ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، خُلُودٌ لَا مَوْتَ ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ ، خُلُودٌ لَا مَوْتَ .

هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار

قَوْلُهُ : ( فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ) الصَّعِيدُ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ الْمُسْتَوِيَةُ ( ثُمَّ يَطْلُعُ عَلَيْهِمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : طَلَعَ فُلَانٌ عَلَيْنَا كَمَنَعَ وَنَصَرَ أَتَانَا كَاطَّلَعَ ، انْتَهَى ( فَيُمَثَّلُ لِصَاحِبِ الصَّلِيبِ صَلِيبُهُ وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِيرِ تَصَاوِيرُهُ وَلِصَاحِبِ النَّارِ نَارُهُ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ تَلْبِيسًا عَلَيْهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ . وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَيُحْضَرُونَ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ( نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْكَ ) وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْكَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنَّمَا اسْتَعَاذُوا مِنْهُ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ اسْتِدْرَاجٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ، وَمِنَ الْفَحْشَاءِ اتِّبَاعُ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ : فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ ؛ أَيْ : بِصُورَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا ، وَهِيَ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ أَهْلِ الْبَاطِلِ ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ : إِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ؛ أَيْ : إِذَا جَاءَنَا بِمَا عَهِدْنَاهُ مِنْهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ ( ثُمَّ يَتَوَارَى ) أَيْ يَسْتَتِرُ ( وَهَلْ تُضَارُّونَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : رُوِيَ تُضَارُّونَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَالتَّاءُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا ، وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ هَلْ تُضَارُّونَ غَيْرَكُمْ فِي حَالَةِ الرُّؤْيَةِ بِزَحْمَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ فِي الرُّؤْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا لِخَفَائِهِ كَمَا تَفْعَلُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ؟ وَمَعْنَى الْمُخَفَّفِ هَلْ يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ ضَيْرٌ وَهُوَ الضَّرَرُ . وَقَالَ الْحَافِظُ : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ مِنَ الضَّرَرِ ، وَأَصْلُهُ تُضَارَرُونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا ؛ أَيْ : لَا تَضُرُّونِ أَحَدًا وَلَا يَضُرُّكُمْ بِمُنَازَعَةٍ وَلَا مُجَادَلَةٍ وَلَا مُضَايَقَةٍ ، وَجَاءَ بتَخْفِيف الرَّاءِ مِنَ الضَّيْرِ ، وَهُوَ لُغَةٌ فِي الضُّرِّ ؛ أَيْ : لَا يُخَالِفُ بَعْضٌ بَعْضًا فَيُكَذِّبُهُ وَيُنَازِعُهُ فَيَضِيرُهُ بِذَلِكَ ، يُقَالُ : ضَارَهُ يَضِيرُهُ ( ثُمَّ يَطْلُعُ فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ ) أَيْ يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمْ عِلْمًا قَطْعِيًّا يَعْرِفُونَ بِهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ( أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّبِعُونِي ) وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ

[3/336]

رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ يَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَهَابِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، أَوْ يَتَّبِعُونَ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ ( وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ ) وَعِنْدَ مُسْلِمٍ : وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ ( فَيَمُرُّ عَلَيْهِ ) أَيْ فَيَمُرُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الصِّرَاطِ .

( مِثْلَ جِيَادِ الْخَيْلِ ) ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : فَرَسٌ جَوَادٌ بَيِّنُ الْجُودَةِ بِالضَّمِّ رَائِعٌ ، وَالْجَمْعُ جِيَادٌ ، وَقَدْ جَادَ فِي عَدْوِهِ جُودَةً انْتَهَى ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ ( وَالرِّكَابِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ عَطْفٌ عَلَى الْخَيْلِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ( وَقَوْلِهِمْ ) أَيْ : قَوْلِ الرُّسُلِ والأنبياء ( عَلَيْهِ ) أَيْ : عَلَى الصِّرَاطِ ( سَلِّمْ سَلِّمْ ) أَمْرُ مُخَاطَبٍ أَيْ يَقُولُ كُلُّ نَبِيٍّ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ أُمَّتِي مِنْ ضَرَرِ الصِّرَاطِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ سَالِمِينَ مِنْ آفَاتِهِ ، آمَنِينَ مِنْ مُخَافَاتِهِ ، وَتَكْرَارُهُ مَرَّتَيْنِ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ ، أَوْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ أَوْ لِلْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا هُوَ مِنْ آدَابِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ .

قَالَ الْحَافِظُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : وَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ : وَقَوْلُهُمُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ : شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصِّرَاطِ : رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، وَالضَّمِيرُ فِي الْأَوَّلِ لِلرُّسُلِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْكَلَامِ شِعَارَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْطِقُوا بِهِ ، بَلْ تَنْطِقُ بِهِ الرُّسُلُ يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالسَّلَامَةِ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ شِعَارًا لَهُمْ ، فَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ : فَعِنْدَ ذَلِكَ حَلَّتِ الشَّفَاعَةُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، انْتَهَى .

( ثُمَّ يُطْرَحُ فِيهَا فَوْجٌ ) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ( فَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) أَيْ مِنْ زِيَادَةٍ ( حَتَّى إِذَا أُوعِبُوا فِيهَا ) مِنَ الْإِيعَابِ ، وَهُوَ الِاسْتِقْصَاءُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ( وَضَعَ الرَّحْمَنُ قَدَمَهُ فِيهَا ) .

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : رِجْلَهُ . قَالَ الْقَارِي : مَذْهَبُ السَّلَفِ التَّسْلِيمُ وَالتَّفْوِيضُ مَعَ التَّنْزِيهِ ، وَأَرْبَابُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْخَلَفِ يَقُولُونَ : الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي " قَدَمَهُ " إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الْمَعْلُومِ ، أَوْ قَوْمٍ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَتَقَدَّمَ فِي سَابِقِ حُكْمِهِ أَنَّهُمْ لَاحِقُوهَا فَتَمْتَلِئُ مِنْهُمْ جَهَنَّمُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ قَدَمٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَيْ : مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي تَصْدِيقِهِمْ ، وَالْمُرَادُ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْجَرَادِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْجَرَادِ ، لَكِنَّ اسْتِعَارَتَهُ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ غَيْرُ بَعِيدٍ . أَوْ أَخْطَأَ الرَّاوِي فِي نَقْلِهِ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى ، وَظَنَّ أَنَّ الرِّجْلَ سَدَّ مَسَدَّ الْقَدَمِ ، هَذَا ، وَقَدْ قِيلَ : وَضْعُ الْقَدَمِ عَلَى الشَّيْءِ مَثَلٌ لِلرَّدْعِ وَالْقَمْعِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَأْتِيهَا أَمْرُ اللَّهِ فَيَكُفُّهَا مِنْ طَلَبِ الْمَزِيدِ ، وَقِيلَ : أُرِيدَ بِهِ تَسْكِينُ فَوْرَتِهَا ، كَمَا يُقَالُ لِلْأَمْرِ يُرَادُ إِبْطَالُهُ : وَضَعْتُهُ تَحْتَ قَدَمَيَّ . ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ .

وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : الْقَدَمُ وَالرِّجْلُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّشْبِيهِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ ، كَالْيَدِ وَالْأُصْبُعِ وَالْعَيْنِ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ .

فَالْإِيمَانُ بِهَا فَرْضٌ ، وَالِامْتِنَاعُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا وَاجِبٌ . فَالْمُهْتَدِي مَنْ سَلَكَ فِيهَا طَرِيقَ التَّسْلِيمِ ، وَالْخَائِضُ فِيهَا زَائِغٌ ، وَالْمُنْكِرُ مُعَطِّلٌ ، وَالْمُكَيِّفُ مُشَبِّهٌ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، انْتَهَى .

قَالَ الْقَارِي : وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَلِطَرِيقِ إِمَامِنَا الْأَعْظَمِ ، عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ ، فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْقَارِي ، فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسْلِيمَ وَالتَّفْوِيضَ هُوَ الْأَسْلَمُ ، بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ ( وَأُزْوِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : يُزْوَى ؛ أَيْ : يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، فَتَجْتَمِعُ وَتَلْتَقِي عَلَى مَنْ فِيهَا ( قَالَتْ ) أَيِ النَّارُ ( قَطٍ قَطٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى قَطٍ حَسْبِي ؛ أَيْ : يَكْفِينِي هَذَا ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ : قَطْ قَطْ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ فِيهِمَا ، وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً ، وَغَيْرَ مَنُونَةٍ ، انْتَهَى . وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ ( أُتِيَ بِالْمَوْتِ ) أَيْ أُحْضِرَ بِهِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي ( مُلَبِّبًا ) فِي الْقَامُوسِ لَبَّبَهُ تَلْبِيبًا : جَمَعَ ثِيَابَهُ عِنْدَ نَحْرِهِ فِي الْخُصُومَةِ ، ثُمَّ جَرَّهُ ( فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ ) أَيْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ ( فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَةَ ) أَيْ يَرْجُونَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ فَيَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ ( يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ ) أَيْ هَذَا الْحَالُ مُسْتَمِرٌّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ خَالِدٍ ؛ أَيْ : أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ ( لَا مَوْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ ؛ أَيْ : لَا مَوْتَ فِي الْجَنَّةِ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُخْتَصَرًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث