بَاب مَا جَاءَ فِي احْتِجَاجِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتْ الْجَنَّةُ : يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ ، وَقَالَتْ النَّارُ : يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ . فَقَالَ لِلنَّارِ : أَنْتِ عَذَابِي ، أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ شِئْتُ . وَقَالَ لِلْجَنَّةِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ شِئْتُ .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار قَوْلُهُ : ( احْتَجَّتْ ) أَيِ اخْتَصَمَتْ ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ وَلِمُسْلِمٍ : تَحَاجَّتْ ( يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ ) قِيلَ : مَعْنَى الضَّعِيفِ هَاهُنَا الْخَاضِعُ لِلَّهِ تَعَالَى بِبَذْلِ نَفْسِهِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضِدَّ الْمُتَجَبِّرِ الْمُتَكَبِّرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ . قَالَ الْحَافِظُ : أَيِ الْمُحْتَقَرُونَ بَيْنَهُمُ ، السَّاقِطُونَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنَ النَّاسِ ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ هُمْ عُظَمَاءُ رُفَعَاءُ الدَّرَجَاتِ ، لَكِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لِعَظَمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَخُضُوعِهِمْ لَهُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالذِّلَّةِ فِي عِبَادِهِ ، فَوَصْفُهُمْ بِالضَّعْفِ وَالسَّقَطِ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ فِي قَوْلِ الْجَنَّةِ : إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ الْأَغْلَبُ ( يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ .
قَالَ الْقَارِي : هُمَا بِمَعْنًى جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ لِلتَّكَبُّرِ لِلتَّعَظُّمِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ ، وَالْمُتَجَبِّرُ الْمَمْنُوعُ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ ، وَقِيلَ : الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يُبَالِي بِأَمْرِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ( أَنْتِ عَذَابِي ) أَيْ سَبَبُ عُقُوبَتِي وَمُنْشَأُ سُخْطِي وَغَضَبِي ( أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ شِئْتُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : أُعَذَّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ( وَقَالَ لِلْجَنَّةِ : أَنْتِ رَحْمَتِي ) أَيْ مَظْهَرُهَا ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : سَمَّى الْجَنَّةَ رَحْمَتَهُ لِأَنَّ بِهَا يظْهَرُ رَحْمَة اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا قَالَ : ( أَرْحَمُ بِكِ مَنْ شِئْتُ ) وَإِلَّا فَرَحْمَة اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ بِهَا مَوْصُوفًا ، لَيْسَتْ لِلَّهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ ، وَلَا اسْمٌ حَادِثٌ فَهُوَ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الْمُهَلَّبِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِصَامُ حَقِيقَةً ، بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِمَا حَيَاةً وَفَهْمًا وَكَلَامًا ، وَاَللَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازًا ، كَقَوْلِهِمْ : امْتَلَأَ الْحَوْضُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَالْحَوْضُ لَا يَتَكَلَّمُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ امْتِلَائِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَنْطِقُ لَقَالَ ذَلِكَ ، وَكَذَا فِي قَوْلِ النَّارِ : ( هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) قَالَ : وَحَاصِلُ اخْتِصَامِهِمَا افْتِخَارُ إحَداهمَا عَلَى الْأُخْرَى بِمَنْ يَسْكُنُهَا ، فَتَظُنُّ النَّارُ أَنَّهَا بِمَنْ أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا أَبَرُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَتَظُنُّ الْجَنَّةُ أَنَّهَا بِمَنْ أَسْكَنَهَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَبَرُّ عِنْدَ اللَّهِ ، فَأُجِيبَتَا بِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ مَنْ يَسْكُنُهُمَا ، وَفِي كِلَيْهِمَا شَائِبَةُ شِكَايَةٍ إِلَى رَبِّهِمَا ؛ إِذْ لَمْ تَذْكُرْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَّا مَا اخْتُصَّتْ بِهِ ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَمْيِيزًا يُدْرِكَانِ بِهِ وَيَقْدِرَانِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالِاحْتِجَاجِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّمْيِيزُ فِيهِمَا دَائِمًا ، انْتَهَى .
قُلْتُ : حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .