بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ شَرَابِ أَهْلِ النَّارِ
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ اتَّقُوا اللَّهَ أَوَّلُهَا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حَقَّ تُقَاتِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ وَاجِبَ تَقْوَاهُ وَمَا يَحِقُّ مِنْهَا وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ أَيْ بَالِغُوا فِي التَّقْوَى حَتَّى لَا تَتْرُكُوا مِنَ الْمُسْتَطَاعِ مِنْهَا شَيْئًا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَقَوْلُهُ : وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى ، أَيْ لَا تَكُونُنَّ عَلَى حَالٍ سِوَى حَالِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ .
فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا مَاتَ مُسْلِمًا وَسَلِمَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآفَاتِ وَفِي الْأُخْرَى مِنَ الْعُقُوبَاتِ ، وَمَنْ تَقَاعَدَ عَنْهَا وَتَقَاعَسَ وَقَعَ فِي الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ ، وَمِنْ ثَمَّ أَتْبَعَهُ -صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ : ( لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ ) كَتَنُّورٍ مِنَ الزَّقْمِ اللَّقْمِ الشَّدِيدِ وَالشُّرْبِ الْمُفْرِطِ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ مُرَّةٌ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ يُكْرَهُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى تَنَاوُلِهِ ، انْتَهَى ( قَطَرَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ نَصَرَ . قَالَ فِي الصُّرَاحِ : قطر جكيدن اب وجزان وجكانيدن لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ .
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : قَطَرَ الْمَاءُ وَالدَّمْعُ قَطْرًا وَقُطُورًا وَقَطِرَانًا مُحَرَّكَةً ، وَقَطَّرَهُ اللَّهُ وَأَقْطَرَهُ وَقَطَّرَهُ ( لَأَفْسَدَتْ ) أَيْ لِمَرَارَتِهَا وَعُفُونَتِهَا وَحَرَارَتِهَا ( مَعَايِشَهُمْ ) بِالْيَاءِ وَقَدْ يُهْمَزُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ ( فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ ) أَيِ الزَّقُّومُ ( طَعَامَهُ ) بِالنَّصْبِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَكَيْفَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهُ ، وَالْحَاكِمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي بِحَارِ الْأَرْضِ لَأَفْسَدَتْ أَوْ قَالَ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامُهُ . وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا .
وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا .