بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ
بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ ، نَا قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْعَذَابِ ، فَيَسْتَغِيثُونَ ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ مِنْ ضَرِيعٍ ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغَصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ ، فَيُدفَعُ إِلَيْهِمْ الْحَمِيمُ بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ ، فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ فَيَقُولُونَ : ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ ، فَيَقُولُونَ : أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ قَالَ : فَيَقُولُونَ : ادْعُوا مَالِكًا ، فَيَقُولُونَ : يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ : فَيُجِيبُهُمْ : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ قَالَ الْأَعْمَشُ : نُبِّئْتُ أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَبَيْنَ إِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ أَلْفَ عَامٍ . قَالَ : فَيَقُولُونَ : ادْعُوا رَبَّكُمْ فَلَا أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾قَالَ : فَيُجِيبُهُمْ : اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ .
قَالَ : وإِنَّمَا روي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَوْلَهُ : وَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ . وَقُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ قَوْلُهُ : ( نَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ ) الْيَرْبُوعِيُّ أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ رَوَى عَنْ قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَثَّقَهُ مُطَيَّنٌ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ( عَنْ شِمْرِ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ( بْنِ عَطِيَّةَ ) الْأَسَدِيِّ الْكَاهِلِيِّ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ .
قَوْلُهُ : ( يُلْقَى ) أَيْ يُسَلَّطُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ ( الْجُوعُ ) أَيِ الشَّدِيدُ ( فَيَعْدِلُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ ، أَيْ فَيُسَاوِي الْجُوعُ ( مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ ) الْمَعْنَى أَنَّ أَلَمَ جُوعِهِمْ مِثْلُ أَلَمِ سَائِرِ عَذَابِهِمْ ( فَيَسْتَغِيثُونَ ) أَيْ بِالطَّعَامِ ( فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ مِنْ ضَرِيعٍ ) كَأَمِيرٍ وَهُوَ نَبْتٌ بِالْحِجَازِ لَهُ شَوْكٌ لَا تَقْرَبُهُ دَابَّةٌ لِخُبْثِهِ وَلَوْ أَكَلَتْ مَاتَتْ . وَالْمُرَادُ هُنَا شَوْكٌ مِنْ نَارٍ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ وَأَحَرُّ مِنَ النَّارِ لا يُسْمِنُ أَيْ لَا يُشْبِعُ الْجَائِعَ وَلَا يَنْفَعُهُ وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ كَثِيرًا وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ أَيْ وَلَا يَدْفَعُ وَلَوْ بِالتَّسْكِينِ شَيْئًا مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾إِلَى آخِرِهِ ( فَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ ) أَيْ ثَانِيًا لِعَدَمِ نَفْعِ مَا أُغِيثُوا أَوَّلًا ( فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ ) أَيْ مِمَّا يَنْشَبُ فِي الْحَلْقِ ، وَلَا يَسُوغُ فِيهِ مِنْ عَظْمٍ وَغَيْرِهِ لَا يَرْتَقِي وَلَا يَنْزِلُ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا ١٢ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ فَيَتَنَاوَلُونَهُ فَيَغَصُّونَ بِهِ ( فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ ) مِنَ الْإِجَازَةِ بِالزَّايِ أَي يُسِيغُون ( الْغُصَصَ ) جَمْعُ الْغُصَّةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ مَا اعْتَرَضَ فِي الْحَلْقِ مِنْ عَظْمٍ وَغَيْرِهِ .
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَالِجُونَهَا ( فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ فَيَسْتَغِيثُونَ ) أَيْ عَلَى مُقْتَضَى طِبَاعِهِمْ ( بِالشَّرَابِ ) أَيْ لِدَفْعِ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ ( فَيُدفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ ) بِالرَّفْعِ أَيْ يُدْفَعُ أَطْرَافُ إِنَاءٍ فِيهِ الْحَمِيمُ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الشَّدِيدُ ( بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ ) جَمْعُ كَلُّوبٍ بِفَتْحِ كَافٍ وَشَدَّةِ لَامٍ مَضْمُومَةٍ حَدِيدَةٌ لَهُ شُعَبٌ يُعَلَّقُ بِهَا اللَّحْمُ ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْكَلَالِيبُ جَمْعُ كَلُّوبٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ حَدِيدَةٌ مَعْطُوفَةُ الرَّأْسِ يُعَلَّقُ عَلَيْهَا اللَّحْمُ وَيُرْسَلُ فِي التَّنُّورِ ، انْتَهَى ( فَإِذَا دَنَتْ ) أَيْ قَرُبَتْ أَوَانِي الْحَمِيمِ ( شَوَتْ وُجُوهَهُمْ ) أَيْ أَحْرَقَتْهَا ( فَإِذَا دَخَلَتْ ) أَيْ أَنْوَاعُ مَا فِيهَا مِنَ الصَّدِيدِ وَالْغَسَّاقِ وَغَيْرِهِمَا ( قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ ) مِنَ الْأَمْعَاءِ قِطْعَةً قِطْعَةً ( فَيَقُولُونَ ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ ) نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ ادْعُوا ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ يَقُولُ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَيَدْعُونَهُمْ وَيَقُولُونَ لَهُمْ : ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ( فَيَقُولُونَ ) أَيِ الْخَزَنَةُ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا أَيِ الْكُفَّارُ ( بَلَى قَالُوا ) أَيِ الْخَزَنَةُ تَهَكُّمًا بِهِمْ ( فَادْعُوا ) أَيْ أَنْتُمْ مَا شِئْتُمْ فَإِنَّا لَا نَشْفَعُ لِلْكَافِرِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ أَيْ فِي ضَيَاعٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ حِينَئِذٍ دُعَاءٌ لَا مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ لَيْسَ بِمَفْعُولٍ ( ادْعُوا ) بَلْ هُوَ مُنَادًى لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ تَعَالَى : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ﴾وَقَوْلَهُ : لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ إِلْزَامٌ لِلْحُجَّةِ وَتَوْبِيخٌ وَأَنَّهُمْ خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ أَوْقَاتَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَعَطَّلُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي يَسْتَجِيبُ لَهَا الدَّعَوَاتِ ، قَالُوا : فَادْعُوا أَنْتُمْ فَإِنَّا لَا نَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ فَادْعُوا لِرَجَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَلَكِنْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْبَةِ فَإِنَّ الْمَلَكَ الْمُقَرَّبَ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ دُعَاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعَاءُ الْكَافِرِينَ ( قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( فَيَقُولُونَ ) أَيِ الْكُفَّارُ ( ادْعُوا مَالِكًا ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَيِسُوا مِنْ دُعَاءِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَجْلِهِمْ وَشَفَاعَتِهِمْ لَهُمْ أَيْقَنُوا أَنْ لَا خَلَاصَ لَهُمْ وَلَا مَنَاصَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ( فَيَقُولُونَ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ أَيْ سَلْ رَبَّكَ دَاعِيًا لِيَحْكُمَ بِالْمَوْتِ عَلَيْنَا رَبُّكَ لِنَسْتَرِيحَ ، أَوْ مِنْ قَضَى عَلَيْهِ إِذَا أَمَاتَهُ ، فَالْمَعْنَى لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فَنَسْتَرِيحَ ( قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- ( فَيُجِيبُهُمْ ) أَيْ مَالِكٌ جَوَابًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ أَيْ مُكْثًا مُخَلَّدًا ( قَالَ الْأَعْمَشُ نُبِّئْتُ ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ أُخْبِرْتُ ( أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَبَيْنَ إِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ ) أَيْ بِهَذَا الْجَوَابِ ( قَالَ فَيَقُولُونَ ) أَيْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ( فَلَا أَحَدَ ) أَيْ فَلَيْسَ أَحَدٌ ( خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) أَيْ فِي الرَّحْمَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَفِي قِرَاءَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ بَعْدَهُمَا ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى ضِدُّ السَّعَادَةِ .
وَالْمَعْنَى سَبَقَتْ عَلَيْنَا هَلَكَتُنَا الْمُقَدَّرَةُ بِسُوءِ خَاتِمَتِنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ عَنْ طَرِيقِ التَّوْحِيدِ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ وَهَذَا كَذِبٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( قَالَ فَيُجِيبُهُمْ ) أَيِ اللَّهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا إِجَابَةَ إِعْرَاضٍ اخْسَئُوا فِيهَا أَيْ ذِلُّوا وَانْزَجِرُوا كَمَا يَنْزَجِرُ الْكِلَابُ إِذَا زُجِرَتْ . وَالْمَعْنَى ابْعُدُوا أَذِلَّاءَ فِي النَّارِ وَلا تُكَلِّمُونِ أَيْ لَا تَكَلَّمُونِي فِي رَفْعِ الْعَذَابِ فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ ( قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا ) أَيْ قَنِطُوا ( مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ) أَيْ مِمَّا يُنَجِّيهِمْ مِنَ الْعَذَابِ أَوْ يُخَفِّفُهُ عَنْهُمْ ( وَعِنْدَ ذَلِكَ ) أَيْ أَيْضًا ( يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ ) قِيلَ الزَّفِيرُ أَوَّلُ صَوْتِ الْحِمَارِ كَمَا أَنَّ الشَّهِيقَ آخِرُ صَوْتِهِ . قَالَ تَعَالَى : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : الشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ وَالزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ .
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ ; لِأَنَّ الشَّهِيقَ رَدُّ النَّفْسِ وَالزَّفِيرَ إِخْرَاجُ النَّفْسِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قَالَ : صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ ، انْتَهَى . ( وَالْحَسْرَةِ ) أَيْ وَفِي النَّدَامَةِ ( وَالْوَيْلِ ) أَيْ فِي شِدَّةِ الْهَلَاكِ وَالْعُقُوبَةِ ، وَقِيلَ هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ ( وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ ) بَلْ يَرْوُونَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ، فَإِنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ .