حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب فِي اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ وَالزِيَادَة وَالنُقْصَانِ

بَاب فِي اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ وَالزِيَادَة وَالنُقْصَانِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ ، أنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . هَذَا حَدِيثٌ حسن . وَلَا نَعْرِفُ لِأَبِي قِلَابَةَ سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعٍ لِعَائِشَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَبُو قِلَابَةَ اسمه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْجَرْمِيُّ .

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا سُفْيَانُ بن عيينة قَالَ : ذَكَرَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، أَبَا قِلَابَةَ فَقَالَ : كَانَ وَاللَّهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الْأَلْبَابِ .

( بَابٌ فِي اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ وَالزِيَادَة وَالنُقْصَانِ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ هَلْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ فُرُوعِ اخْتِلَافِهِمْ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ . فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ : أَنَّ حَقِيقَةَ التَّصْدِيقِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ النُّقْصَانَ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ لَا يَبْقَى إِيمَانًا ، وَلَكِنْ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ نَقْصِ الْإِيمَانِ وَقَالَ : قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى زِيَادَتَهُ فِي الْقُرْآنِ وَتَوَقَّفَ عَنْ نَقْصِهِ ، وَقَالَ : لَوْ نَقَصَ لَذَهَبَ كُلُّهُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا : أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَالْحُجَّةُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ : فَإِيمَانُ مَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الزِّيَادَةُ نَاقِصٌ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ : أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَبِهِ

[3/356]

قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاذٌ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَمَّارٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَسَلْمَانُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُمَيْرُ بْنُ حَبِيبٍ ، وَعَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- .

وَمِنَ التَّابِعِينَ : كَعْبُ الْأَحْبَارِ ، وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَابْنُ أَبِي مَلِيكَةَ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَيُونُسُ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو الْبُحْتُرِيِّ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَرِيرِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَمَنْصُورٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ ، وَمَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَرِيرِيُّ ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، وَمُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْفَزَارِيُّ ، وَزَائِدَةُ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَأَبُو هِشَامٍ عَبْدُ رَبِّهِ ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ سَلَامٍ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ ، وَالذُّهَلِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَزَائِدَةُ ، وَشُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَالنَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ مُتَوَكِّلٍ : أَدْرَكْتُ أَلْفَ أُسْتَاذٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ . وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : إنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ مِنْهُمْ عُبَدُ اللَّهُ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ ، وَأَبُو النُّعْمَانِ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَقَبِيصَةُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَالنَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، وَآدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَصَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، وَنُظَرَاؤُهُمْ مِنْ أَهْلِ بِلَادِهِمْ .

وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ذَلِكَ عَنْ خَلْقٍ . قَالَ : وَأَمَّا تَوَقُّفُ مَالِكٍ عَنِ الْقَوْلِ بِنُقْصَانِ الْإِيمَانِ فَخَشْيَةَ أَنْ يَتَنَاوَلَ عَلَيْهِ مُوَافَقَةَ الْخَوَارِجِ . وَقَالَ رُسْتَهْ : مَا ذَاكَرْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ حَرْبٍ - وَالْحُمَيْدِيَّ وَغَيْرَهُمْ إِلَّا يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ وَحَكَاهُ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ عَنْ وَكِيعٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَشَرِيكٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سلِّمَةَ وَالْحَمَّادَيْنِ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ : هَذَا الْبَحْثُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ إِنْ كَانَ هُوَ التَّصْدِيقَ فَلَا يَقْبَلُهُمَا ، وَإِنْ كَانَ الطَّاعَاتِ فَيَقْبَلُهُمَا ثُمَّ قَالَ : الطَّاعَاتُ مُكَمِّلَةٌ لِلتَّصْدِيقِ فَكُلُّ مَا قَامَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ كَانَ مَصْرُوفًا إِلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْإِيمَانِ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ فَهُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى الْكَامِلِ وَهُوَ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : الْحَقُّ أَنَّ الْإِيمَانَ يَقْبَلُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ عِبَارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ مَعَ الْأَعْمَالِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، أَوْ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ وَحْدَهُ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ بِجِسْمِيَّةِ الشَّبَحِ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا أَقْوَى مِنَ التَّصْدِيقِ بِجِسْمِيَّتِهِ إِذَا كَانَ بَعِيدًا عَنَّا ، وَلِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ فِي التَّنَزُّلِ مِنْ أَجْلَى الْبَدِيهِيَّاتِ ، كَقَوْلِنَا : النَّقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ إِلَى مَا دُونَهُ كَقَوْلِنَا الْأَشْيَاءُ الْمُتَسَاوِيَةُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مُتَسَاوِيَةٌ ثُمَّ إِلَى أَجْلَى النَّظَرِيَّاتِ كَوُجُودِ الصَّانِعِ ، ثُمَّ إِلَى مَا دُونَهُ كَكَوْنِهِ مَرْئِيًّا ثُمَّ إِلَى أَخْفَاهَا كَاعْتِقَادِ أَنَّ الْعَرَضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ .

وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : الْحَقُّ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ بِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ لِأَنَّهُ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَهِيَ تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ كَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَالْغَضَبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إِيمَانُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَفْرَادِ الْأُمَّةِ سَوَاءً وَأَنَّهُ بَاطِلٌ إِجْمَاعًا ، وَلِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي الثَّانِي : التَّصْدِيقُ التَّفْصِيلِيُّ فِي أَفْرَادِ مَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ عَلَى تَصْدِيقِهِ بِالْآخَرِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرِيٌّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ الْحَقِيقُ بِالْقَبُولِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِحَسَبِ التَّصْدِيقِ يَزِيدُ بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ الْمُعَظَّمَةِ ، وَهِيَ الْعَدَدُ قَبْلَ تَقَرُّرِ الشَّرَائِعِ بِأَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِجُمْلَةِ مَا ثَبَتَ مِنَ الْفَرَائِضِ ، ثُمَّ يَثْبُتُ فَرْضٌ آخَرُ فَيُؤْمِنُ بِهِ أَيْضًا ، ثُمَّ وَثُمَّ فَيَزْدَادُ إِيمَانُهُ ، أَوْ يُؤْمِنُ بِحَقِيقَةِ كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِجْمَالًا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ إِلَيْهِ الشَّرَائِعُ تَفْصِيلًا ، ثُمَّ تَبْلُغُهُ فَيُؤْمِنُ بِهَا تَفْصِيلًا بَعْدَمَا آمَنَ بِهِ إِجْمَالًا فَيَزْدَادُ إِيمَانُهُ .

فَإِنْ قُلْتَ : يَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَفْضِيلُ مَنْ آمَنَ بَعْدَ تَقْرِيرِ الشَّرَائِعِ عَلَى مَنْ مَاتَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ; لِأَنَّ إِيمَانَ أُولَئِكَ أَزْيَدُ مِنْ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ .

قُلْتُ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ سَبَبُ التَّفْضِيلِ فِي الْآخِرَةِ ، وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ مُؤْمِنٌ بِجَمِيعِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ بِحَسَبِ زَمَانِهِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي ذَلِكَ ، وَأَيْضًا إِنَّمَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ عَدَدِ إِيمَانِهِمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِإِيمَانِهِمْ تَرْجِيحٌ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ وَهُوَ قُوَّةُ الْيَقِينِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ لِإِيمَانِهِمْ تَرْجِيحًا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ إِيمَانِ جَمِيعِ الْخَلْقِ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- . وَلَا يَنْقُصُ الْإِيمَانُ بِحَسَبِ الْعَدَدِ قَبْلَ تَقَرُّرِ الشَّرَائِعِ وَلَا يَلْزَمُ تَرْكُ الْإِيمَانِ بِنَقْصِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِحَسَبِ الْعَدَدِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الشَّرَائِعِ بِتَكْرَارِ التَّصْدِيقِ وَالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بَعْدَ الذُّهُولِ عَنْهُ تَكْرَارًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ مُطْلَقًا أَيْ قَبْلَ تَقَرُّرِ الشَّرَائِعِ وَبَعْدَهُ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ أَيِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ بِحَسَبِ ظُهُورِ أَدِلَّةِ حَقِيةِ الْمُؤْمِنِ بِهِ وَخَفَائِهَا وَقُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا وَقُوَّةِ اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ فِي الْمُقَلَّدِ وَضَعْفِهِ . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ قَالَ : الْأَظْهَرُ أَنَّ نَفْسَ التَّصْدِيقِ يَزِيدُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَتَظَاهُرِ الْأَدِلَّةِ ، وَلِهَذَا يَكُونُ إِيمَانُ الصِّدِّيقِينَ وَالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لَا تُعترِيهِمُ الشُّبْهَةُ وَلَا يُزَلْزِلُ إِيمَانَهُمْ مُعَارِضٌ ، وَلَا تَزَالُ قُلُوبُهُمْ مُنْشَرِحَةً لِلْإِسْلَامِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْأَحْوَالُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ بِلَفْظِهِ . وَقَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ : قَوْلُهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ أَيِ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ دُخُولِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِيهِ ظَاهِرٌ . وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ نَفْسَ التَّصْدِيقِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَزِيدُ وَيَنْقُصُ أَيْ قُوَّةً وَضَعْفًا ، أَو إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا أَوْ تِعْدَدًا بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْمُؤْمِنِ بِهِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، انْتَهَى .

قُلْتُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ نَفْسَ التَّصْدِيقِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) بِضَمِّ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ لِأَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ يُوجِبُ حُسْنَ الْخُلُقِ وَالْإِحْسَانَ إِلَى كَافَّةِ الْإِنْسَانِ ( وَأَلْطَفُهُمْ

[3/357]

بِأَهْلِهِ ) أَيْ أَرْفَقُهُمْ وَأَبَرُّهُمْ بِنِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَقَارِبِهِ وَعِتْرَتِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ : إنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ لَيْسُوا سَوَاءً فِي الْإِيمَانِ بَلْ بَعْضُهُمْ أَكْمَلُ إِيمَانًا مِنْ بَعْضٍ ، وَبِهِ مُطَابَقَةٌ الِحَدِيثِ بالْبَابِ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ .

قَوْلُهُ : ( كَانَ وَاللَّهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الْأَلْبَابِ ) ، زَادَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بَعْدَ هَذَا : مَا أَدْرَكْتُ بِهَذَا الْمِصْرِ رَجُلًا كَانَ أَعْلَمَ بِالْقَضاءِ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث