بَاب فِي اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ وَالزِيَادَة وَالنُقْصَانِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُرَيْمُ بْنُ مِسْعَرٍ الْأَزْدِيُّ التِّرْمِذِيُّ ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَوَعَظَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ، تَصَدَّقْنَ فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِكَثْرَةِ لَعْنِكُنَّ ، يَعْنِي وَكُفْرِكُنَّ الْعَشِيرَ . قَالَ : وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذَوِي الْأَلْبَابِ وَذَوِي الرَّأْيِ مِنْكُنَّ . قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهَا ودينها ؟ قَالَ : شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْكُنَّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ ، وَنُقْصَانُ دِينِكُنَّ الْحَيْضَةُ فتَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ لَا تُصَلِّي . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُرَيْمٍ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا ( بْنُ مِسْعَرٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( الْأَزْدِيُّ التِّرْمِذِيُّ ) مَقْبُولٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ .
قَوْلُهُ : ( خَطَبَ النَّاسَ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ إِلَخْ ( ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ ) النِّسَاءِ أَيْ جَمَاعَتَهُنَّ وَالْخِطَابُ عَامٌّ غَلَبَتِ الْحَاضِرَاتُ عَلَى الْغُيَّبِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْمَعْشَرُ هُمُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ ، أَيْ مُشْتَرِكُونَ ، وَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُهُمْ كَالْإِنْسِ مَعْشَرٌ وَالْجِنِّ مَعْشَرٌ ، وَالْأَنْبِيَاءِ مَعْشَرٌ وَالنِّسَاءِ مَعْشَرٌ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَجَمْعُهُ مَعَاشِرَ ( تَصَدَّقْنَ ) أَمْرٌ لَهُنَّ أَيْ أَعْطِينَ الصَّدَقَةَ ( وَلِمَ ذَاكَ ) أَصْلُهُ " لِمَا " حُذِفَتْ أَلِفُ " مَا " الِاسْتِفْهَامِيَّةِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهَا تَخْفِيفًا وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ بَعْدَهَا ، وَالْوَاوُ إِمَّا لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ ، وَالتَّقْدِيرُ فَقَالَتْ : كَيْفَ يَكُونُ ذَاكَ وَلِأَيِّ شَيْءٍ نَكُونُ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ، أَوْ زَائِدَةٌ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ لَا سُؤَالٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ ( لِكَثْرَةِ لَعْنِكُنَّ ) اللَّعْنُ هُوَ الدُّعَاءُ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ( يَعْنِي : وَكُفْرِكُنَّ الْعَشِيرَ ) هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : الْعَشِيرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْمُعَاشِرُ مُطْلَقًا وَالْمُرَادُ هُنَا الزَّوْجُ ، انْتَهَى . وَكُفْرَانُ الْعَشِيرِ جَحْدُ نِعْمَتِهِ وَإِنْكَارُهَا أَوْ سَتْرُهَا بِتَرْكِ شُكْرِهَا ، وَاسْتِعْمَالُ الْكُفْرَانِ فِي النِّعْمَةِ وَالْكُفْرِ فِي الدِّينِ أَكْثَرُ ( مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ نَاقِصَاتٍ ( أَغْلَبَ لِذَوِي الْأَلْبَابِ ) أَيْ لِذَوِي الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابُ جَمْعُ اللُّبِّ ، وَهُوَ الْعَقْلُ الْخَالِصُ مِنْ شَوْبِ الْهَوَى ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذُو اللُّبِّ وَالرَّأْيِ مَغْلُوبًا فَغَيْرُهُ أَوْلَى ( مِنْكُنَّ ) مُتَعَلِّقٌ بِأَغْلَبَ ( وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهَا وَدِينِهَا ) كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهَا ذَلِكَ حَتَّى سَأَلَتْ عَنْهُ ( قَالَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مِنْكُنَّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأُخْرَى مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ ضَبْطِهَا وَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقْصِ عَقْلِهَا ( وَنُقْصَانُ دِينِكُنَّ الْحَيْضَةُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ، ( فتَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ ) أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ مَعَ أَيَّامِهَا أوَ أَرْبَعَ لَيَالٍ مَعَ أَيَّامِهَا ( لَا تُصَلِّي ) أَيْ وَلَا تَصُومُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا وَصْفُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النِّسَاءَ بِنُقْصَانِ الدِّينِ لِتَرْكِهِنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَقَدْ يُسْتَشْكَلُ مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ مُشْتَرِكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا قَدَّمْنَاه فِي مَوَاضِعَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى إِيمَانًا وَدِينًا . وَإِذَا ثْبِتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَتُهُ زَادَ إِيمَانُهُ وَدِينُهُ ، وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَتُهُ نَقَصَ دِينُهُ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ آنِفًا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .