باب ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا
2624 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثقفي ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ الْإِيمَانِ ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَس بن مالك عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَيُّوبَ ) هُوَ ابْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ .
قَوْلُهُ : ( ثَلَاثٌ ) مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُهُ وَجَازَ مَعَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ خِصَالٌ ثَلَاثٌ ( وَجَدَ بِهِنَّ ) أَيْ بِسَبَبِ وُجُودِهِنَّ ( طَعْمَ الْإِيمَانِ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ لَذَّتَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُهُ الطَّاعَاتِ وَتَحَمُّلُهُ الْمَشَاقَّ فِي رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِيثَارُ ذَلِكَ عَلَى عَرَضِ الدُّنْيَا وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِفِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ ، وَكَذَا مَحَبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا الْحَدِيثُ بِمَعْنَى حَدِيثِ : ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا إِلَخْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ حَقِيقَةً وَحُبُّ الْآدَمِيِّ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَرَاهَتُهُ الرُّجُوعَ فِي الْكُفْرِ إِلَّا لِمَنْ قَوِيَ بِالْإِيمَانِ يَقِينُهُ ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ ، وَانْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ ، وَخَالَطَ لَحْمَهُ وَدَمَهُ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَجَدَ حَلَاوَتَهُ . قَالَ : وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِ حُبِّ اللَّهِ ، وَأَصْلُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إِلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ ، ثُمَّ الْمَيْلُ قَدْ يَكُونُ لِمَا يَسْتَلِذُّهُ الْإِنْسَانُ وَيَسْتَحْسِنُهُ كَحُسْنِ الصُّورَةِ وَالصَّوْتِ وَالطَّعَامِ وَنَحْوِهَا . وَقَدْ يَسْتَلِذُّهُ بِعَقْلِهِ لِلْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ كَمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ مُطْلَقًا ، وَقَدْ يَكُونُ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَدَفْعِهِ الْمَضَارَّ وَالْمَكَارِهَ عَنْهُ ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَا جَمَعَ مِنْ جَمَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، وَكَمَالِ خِلَالِ الْجَلَالِ وَأَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَدَوَامِ النَّعِيمِ ، وَالْإِبْعَادِ مِنَ الْجَحِيمِ . وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا مُتَصَوَّرٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ : الْمَحَبَّةُ فِي اللَّهِ تَعَالَى مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ ( مَنْ كَانَ ) لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هِيَ أَوْ هُنَّ أَوْ إِحْدَاهَا أَيْ مَحَبَّةُ مَنْ كَانَ ( اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) بِرَفْعِهِمَا ( أَحَبَّ إِلَيْهِ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ ( مِمَّا سِوَاهُمَا ) يَعُمُّ ذَوِي الْعُقُولِ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَسَائِرِ الشَّهَوَاتِ ( وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ ) أَيْ وَثَانِيَتُهَا أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ ( لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ ؛ أَيْ لَا يُحِبُّهُ لِغَرَضٍ وَعَرَضٍ وَعِوَضٍ وَلَا يَشُوبُ مَحَبَّتَهُ حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ وَلَا أَمْرٌ بَشَرِيٌّ بَلْ مَحَبَّتُهُ تَكُونُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى ، فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَدَاخِلًا فِي الْمُتَحَابِّينَ لِلَّهِ . وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ أَوْ مِنْهُمَا ( وَأَنْ يَكْرَهَ ) أَيْ ثَالِثَتُهَا أَنْ يَكْرَهَ ( أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ ) أَيْ يَرْجِعَ أَوْ يَتَحَوَّلَ ، وَقِيلَ : أَنْ يُصَيَّرَ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِفِي عَلَى حَدِّ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَيَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ لَهُ كُفْرٌ أَيْضًا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ : ( بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ ) أَيْ أَخْلَصَهُ وَنَجَّاهُ مِنَ الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّ أَنْقَذَ بِمَعْنَى حَفِظَ بِالْعِصْمَةِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُولَدَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَمِرَّ بِهَذَا الْوَصْفِ عَلَى الدَّوَامِ أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ ، أَوْ لَا يَشْمَلُهُ وَلَكِنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ بَلِ الْأَوْلَى ، قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ يَعُودَ أَوْ يَرْجِعَ مَعْنَاهُ يُصَيَّرَ ، وَقَدْ جَاءَ الْعَوْدُ وَالرُّجُوعُ بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ ، انْتَهَى ( أَنْ يُقْذَفَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُلْقَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .