بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا
2630 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، ثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ في الْحِجَازِ مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ ، إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
قوله ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ الدَّارِمِيُّ ( أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ) هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُوَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ ، صَدُوقٌ ، أَخْطَأَ فِي أَحَادِيثَ مِنْ حِفْظِهِ ، مِنَ الْعَاشِرَةِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ( عَنْ جَدِّهِ ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرَاجِمُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي بَابِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَقَدْ تُضَمُّ بَعْدَهَا زَايٌ .
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ فَتْحَ الرَّاءِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْكَسْرَ هُوَ الصَّوَابُ . وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سِرَاجٍ ضَمَّ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ يَنْضَمُّ وَيَجْتَمِعُ ( إِلَى الْحِجَازِ ) وَهُوَ اسْمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا مِنَ الْبِلَادِ وَسُمِّيَتْ حِجَازًا ؛ لِأَنَّهَا حَجَزَتْ أَيْ مَنَعَتْ وَفَصَلَتْ بَيْنَ بِلَادِ نَجْدٍ وَالْغَوْرِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا . قَالَ الْقَارِي : وَالْمُرَادُ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يَفِرُّونَ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وِقَايَةً بِهَا عَلَيْهِ ، أَوْ لِأَنَّهَا وَطَنُهُ الَّذِي ظَهَرَ وَقَوِيَ بِهَا ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يَقِلُّ الْإِسْلَامُ ، انْتَهَى . ( كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ ثُقْبِهَا ( وَلَيَعْقِلَنَّ ) جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ وَاللَّهِ لَيَعْتَصِمَنَّ ، عُطِفَ عَلَى " لَيَأْرِزُ " ، أَوْ عَلَى إِنَّ وَمَعْمُولِهَا ، أَيْ لَيَتَحَصَّنُ وَيَنْضَمُّ وَيَلْتَجِئُ ( الدِّينُ ) أَبْرَزَهُ وَحَقُّهُ الْإِضْمَارُ إِعْلَامًا بِعَظِيمِ شَرَفِهِ وَمَزِيدِ فَخَامَتِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ ضُوعِفَتْ أَدَوَاتُ التَّأْكِيدِ وَأَتَى بِالْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ ، يُقَالُ : عَقَلَ الْوَعْلُ أَيِ امْتَنَعَ بِالْجِبَالِ الْعَوَالِي يَعْقِلُ عُقُولًا ، أَيْ لَيَمْتَنِعَنَّ بِالْحِجَازِ وَيَتَّخِذَنَّ مِنْهُ حِصْنًا وَمَلْجَأً ( مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ ) الْأُرْوِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتُكْسَرُ وَتشديد الْيَاءُ ، الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ الْجَبَلِيِّ ، وَالْمَعْقِلُ : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْعَقْلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَكَانٍ أَيْ كَاتِّخَاذِ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ حِصْنًا ، وخص الأروية دُونَ وَاعِلٍ ؛ لِأَنَّهَا أَقْدَرُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْجِبَالِ الْوَعِرَةِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ الدِّينَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ وَالظَّلَمَةِ عَلَى بِلَادِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَعُودُ إِلَى الْحِجَازِ ، كَمَا بَدَأَ مِنْهُ ( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ ) بِالْهَمْزِ هُوَ الصَّحِيحُ ( غَرِيبًا ) أَيْ كَالْغَرِيبِ أَوْ حَالٌ ( وَيَرْجِعُ غَرِيبًا ) أَيْ كَمَا بَدَأَ ، يَعْنِي أن أَهْل الدِّينِ فِي الْأَوَّلِ كَانُوا غُرَبَاءَ يُنْكِرُهُمُ النَّاسُ وَلَا يُخَالِطُونَهُمْ ، فَكَذَا فِي الْآخِرِ ( فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) أَيْ أَوَّلًا وَآخِرًا ( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي ) أَيْ يَعْمَلُونَ بِهَا وَيُظْهِرُونَهَا بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ يُحَسِّنُ حَدِيثَ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَقَدْ يُصَحِّحُهُ ، وَكَثِيرٌ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ بَلْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، بَلْ قَالَ
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ . وَقَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَرَوَى مِنْ حَدِيثِهِ : الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَصَحَّحَهُ .
فَلِهَذَا لَا يَعْتَمِدُ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ ، انْتَهَى .